حين تتصدر فلسطين سباق إنقاذ الحياة: الهلال الأحمر الفلسطيني يتوج عالمياً في زمن الحروب
إعداد وتقرير: المحامي علي أبوحبلة
حين تتصدر فلسطين سباق إنقاذ الحياة: الهلال الأحمر الفلسطيني يتوج عالمياً في زمن الحروب
إعداد وتقرير: المحامي علي أبوحبلة
في عالم تتسابق فيه الدول والمؤسسات على امتلاك أدوات القوة، جاءت فلسطين من ميدان مختلف تماماً لتسجل حضورها في واحد من أكثر الميادين ارتباطاً بالإنسان وحقه في الحياة: ميدان الإسعاف والإنقاذ والرعاية الإنسانية.
فوز جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني بالمركز الأول في بطولة كأس العالم للإسعافات الأولية لعام 2026، مناصفة مع جمعية الصليب الأحمر الصيني، ليس مجرد نتيجة في مسابقة دولية، وإنما محطة تستحق التوقف عند دلالاتها المهنية والإنسانية والوطنية. فقد شارك في البطولة 162 فريقاً يمثلون 85 جمعية وطنية من خمسة أقاليم حول العالم، وتنافست الفرق في الابتكار بالإسعافات الأولية والإنعاش، والاستجابة لسيناريوهات طوارئ معقدة، والتوعية العامة وبناء القدرات المجتمعية.
وهنا تتجاوز قيمة الإنجاز حدود منصة التتويج؛ لأن الفريق الفلسطيني لم ينافس في بيئة نظرية أو تدريبية منفصلة عن الواقع، بل جاء من تجربة ميدانية راكمت خبرات واسعة في التعامل مع الإصابات والحوادث والطوارئ والكوارث الإنسانية.
من قلب الأزمات إلى قمة المنافسة العالمية
تكمن خصوصية التجربة الفلسطينية في أن الإسعاف والطوارئ بالنسبة إلى كوادر الهلال الأحمر ليست مجرد مهنة، بل ممارسة يومية في ظروف بالغة الصعوبة.
وفي قطاع غزة، واصلت طواقم الهلال الأحمر أداء مهامها الطبية والإنسانية، بما في ذلك المشاركة في عمليات الإجلاء الطبي وتقديم الرعاية للمرضى والمصابين، في ظل الضغوط التي واجهها القطاع الصحي.
وفي أغسطس 2026، افتتحت الجمعية مستشفى الشمال الميداني في قطاع غزة، وهو سادس مستشفى ميداني تابع لها في القطاع، مع خدمات تشمل الطوارئ والجراحة والباطنة والنساء والولادة والأطفال والأشعة والمختبر والصيدلية، إضافة إلى مركز إسعاف مركزي.
هذه الوقائع تمنح الإنجاز الرياضي–المهني في دبي بعداً آخر: المهارة التي قادت الفريق الفلسطيني إلى منصة التتويج هي ذاتها المهارة التي يحتاجها المسعف عندما يكون أمام إنسان مصاب ينتظر النجدة في ظروف لا تحتمل الخطأ أو التأخير.
الإسعاف ثقافة مجتمعية وليس سيارة وطواقم فقط
تكمن أهمية البطولة أيضاً في أنها لم تختزل مفهوم الإسعافات الأولية في سرعة الوصول إلى المصاب، بل شملت الابتكار والإنعاش والاستجابة للطوارئ والتوعية وبناء القدرات المجتمعية. وهذا يتوافق مع التوجه الدولي الذي ينظر إلى الإسعافات الأولية باعتبارها مهارة ينبغي أن تصل إلى المجتمع، لا أن تبقى محصورة في المختصين. ويؤكد الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر أهمية التعليم والتدريب على الإسعافات الأولية على مستوى المجتمعات المحلية.
ومن هنا، فإن القيمة الحقيقية لهذا الإنجاز الفلسطيني ينبغي أن تمتد إلى المدارس والجامعات والمؤسسات والمخيمات والقرى والبلدات، عبر توسيع برامج التدريب ونشر المعرفة الأساسية بالإنعاش والإسعافات الأولية.
فالدقائق الأولى بعد وقوع الحادث قد تكون الفاصل بين الحياة والموت، وكل مواطن يمتلك الحد الأدنى من المعرفة الإسعافية يمكن أن يتحول في تلك اللحظة إلى حلقة أولى في سلسلة إنقاذ الحياة.
الهلال الأحمر.. رسالة إنسانية في زمن الحروب
يحمل الإنجاز أهمية خاصة لأن الهلال الأحمر الفلسطيني يعمل في بيئة تفرض على كوادره التعامل مع الأزمات بصورة مستمرة. ووفق بيانات الاتحاد الدولي، تضم الجمعية 34 فرعاً و167 وحدة محلية، إضافة إلى آلاف العاملين والمتطوعين.
كما أن العمل الإنساني لا يخلو من الكلفة البشرية؛ فقد أشارت الجمعية في أغسطس الماضي إلى فقدان أكثر من 230 شهيداً من كوادرها خلال مسيرتها، مع استمرار الطواقم في أداء واجبها الإنساني.
وهنا تبرز الرسالة الأعمق: الإنجاز العالمي لا يلغي حجم التحديات، وإنما يكشف مقدار الخبرة التي تراكمت لدى كوادر اختبرت الإسعاف في أصعب الظروف.
فالإنسانية لا تُقاس بالشعارات، وإنما بقدرة المؤسسات على حماية حياة الإنسان عندما تشتد الأزمات.
من التتويج إلى الاستثمار في الإنسان
المطلوب بعد هذا الإنجاز ألا ينتهي الأمر عند التهنئة والتكريم، بل أن يتحول الفوز إلى فرصة لتطوير منظومة الإسعاف والطوارئ، وتعزيز التدريب، وتوسيع الشراكات الدولية، وتبادل الخبرات، والاستثمار في التكنولوجيا والابتكار، وبناء جيل جديد من المسعفين والمتطوعين.
كما أن المجتمع الفلسطيني بحاجة إلى تحويل ثقافة الإسعافات الأولية إلى جزء من الوعي العام، بحيث تصبح المعرفة بالإنعاش والتعامل مع الإصابات والحالات الطارئة مهارة أساسية، مثلها مثل القراءة والكتابة.
إن تتويج الهلال الأحمر الفلسطيني في دبي، مناصفة مع الصليب الأحمر الصيني، بين 162 فريقاً يمثلون 85 جمعية وطنية، يضع فلسطين في موقع متقدم على خريطة العمل الإنساني العالمي.
وفي زمن تتصدر فيه صور الحرب والدمار المشهد، جاءت منصة الإسعاف لتقدم صورة فلسطينية مختلفة: فلسطين التي تنافس من أجل إنقاذ الإنسان، فلسطين التي تصنع من الخبرة الميدانية كفاءة عالمية، وفلسطين التي تؤكد أن حماية الحياة تظل أسمى رسالة يمكن أن يحملها الإنسان.
وهذا هو المعنى الأعمق للكأس: **أن فلسطين لم تصل إلى القمة لأنها اعتادت الأزمات، بل لأنها حولت خبرة مواجهة الأزمات إلى معرفة ومهارة وقدرة على إنقاذ الحياة.**



