الصوت العربي في انتخابات الكنيست.. استحقاق وجودي وحقوقي يتجاوز صناديق الاقتراع
إعداد وتقرير: المحامي علي أبو حبلة
الصوت العربي في انتخابات الكنيست.. استحقاق وجودي وحقوقي يتجاوز صناديق الاقتراع
إعداد وتقرير: المحامي علي أبو حبلة
تكتسب انتخابات الكنيست الإسرائيلي المقررة في 27 أكتوبر/تشرين الأول 2026 أهمية استثنائية بالنسبة للفلسطينيين المواطنين في إسرائيل، ليس باعتبارها منافسة حزبية عابرة، وإنما بوصفها محطة سياسية تتصل بمكانة مجتمع عربي فلسطيني متجذر في وطنه، وبحقه في الحفاظ على هويته ووجوده ومشاركته السياسية والمدنية، والدفاع عن حقوقه داخل المؤسسات التي تمس حياته اليومية ومستقبله.
والدعوة إلى المشاركة الفاعلة لا تعني إسقاط الموقف الوطني الفلسطيني، ولا تعني بالضرورة منح شرعية سياسية لأي سياسة حكومية، وإنما يمكن النظر إليها باعتبارها استخداماً لحق مدني متاح، وتحويل الحضور السكاني والتاريخي إلى حضور سياسي ومؤسساتي.
وجود تاريخي وحقوق لا تسقط بالانتخابات
الفلسطينيون الذين بقوا في وطنهم بعد نكبة عام 1948 لم يصبحوا جماعة طارئة على المكان، بل حافظوا على وجودهم وهويتهم ولغتهم وارتباطهم بالأرض. وقد أكدت وثائق الأمم المتحدة التاريخية المرتبطة بمستقبل فلسطين أهمية ضمان الحقوق المدنية والسياسية والتمثيل الملائم لمختلف قطاعات السكان. كما نصت وثيقة خطة التقسيم لعام 1947 على ضمان الحقوق المدنية والسياسية للسكان ومبدأ التمثيل في المؤسسات التشريعية.
ومن هذه الزاوية، فإن المشاركة السياسية يمكن أن تُفهم باعتبارها أحد أدوات الحفاظ على الوجود والحقوق، لا بديلاً عن الهوية الوطنية أو الحقوق الفلسطينية الأوسع.
محاولة الإقصاء كشفت أهمية الصوت العربي
جاءت التطورات الأخيرة لتمنح الانتخابات بعداً إضافياً. ففي 23 سبتمبر/أيلول قررت لجنة الانتخابات المركزية شطب «رعام» و«القائمة المشتركة» وعدداً من المرشحين، قبل أن تلغي المحكمة العليا في 2 أكتوبر/تشرين الأول قرارات شطب القائمتين، كما رفضت بأغلبية واسعة شطب عضو الكنيست عوفر كسيف، بينما خرج سامي أبو شحادة من السباق بعد مسار قضائي منفصل.
وبغض النظر عن المواقف المختلفة من هذه التطورات، فإنها أظهرت أن التمثيل العربي داخل الكنيست أصبح جزءاً من صراع سياسي وقانوني حقيقي، وأن حق المشاركة لا ينبغي التعامل معه باعتباره قضية هامشية.
بين المقاطعة والمشاركة.. تغيرت الظروف
لطالما استندت دعوات المقاطعة إلى اعتبارات سياسية وفكرية ترى في الكنيست مؤسسة لا تعكس بالضرورة تطلعات الشعب الفلسطيني. وهذا موقف له جذوره في التجربة السياسية الفلسطينية داخل إسرائيل.
لكن السياسة ليست موقفاً جامداً؛ فالظروف تتغير، والأدوات السياسية يعاد تقييمها وفقاً للمصلحة والنتائج. ولذلك فإن إعادة النظر في المقاطعة لا تعني التخلي عن الثوابت، كما أن المشاركة لا تعني التخلي عن الحقوق الوطنية.
السؤال الاستراتيجي اليوم هو: كيف يمكن للمواطن الفلسطيني أن يستخدم كل مساحة متاحة للدفاع عن وجوده وحقوقه، من دون أن يتنازل عن هويته أو روايته التاريخية؟
المشاركة حق.. والقرار للناخب
تنبع أهمية المشاركة من كونها تمنح المجتمع العربي فرصة للتعبير عن إرادته، وتعزيز حضوره في قضايا الأرض والمسكن والتعليم والميزانيات والخدمات ومكافحة الجريمة والاقتصاد والمساواة المدنية.
والأهم أن المشاركة الواسعة لا ينبغي أن تتحول إلى تفويض مفتوح لأي حزب أو قيادة؛ فالناخب صاحب القرار، والأحزاب مطالبة بتقديم برامج واضحة وقابلة للمساءلة، واحترام التعددية داخل المجتمع الفلسطيني في الداخل.
إن قوة الصوت العربي لا تقاس فقط بعدد المقاعد، وإنما بقدرته على تحويل التمثيل إلى حقوق ومساءلة وحضور سياسي مستمر.
معركة الوجود تبدأ بالحفاظ على الحضور
في اللحظات التي تتعرض فيها مكانة المواطنين العرب للنقاش السياسي والقانوني، يصبح الحفاظ على المشاركة السياسية إحدى أدوات حماية المجال العام. وليس المقصود هنا تبني موقف انتخابي موحد، وإنما التأكيد على أن الغياب الكامل عن صناديق الاقتراع يترك أثراً سياسياً، تماماً كما أن المشاركة تحمل نتائج سياسية.
ولهذا فإن انتخابات 2026 تستحق نقاشاً فلسطينياً هادئاً وعميقاً يتجاوز الانقسام بين مؤيد للمشاركة وداعٍ للمقاطعة، إلى سؤال أكثر جوهرية: كيف نحافظ على الوجود الفلسطيني التاريخي، ونحمي الحقوق المدنية والسياسية، ونمنع تهميش الصوت العربي، مع التمسك بالهوية الوطنية والحقوق الفلسطينية؟
إن الحضور الفلسطيني في الداخل ليس منحة انتخابية ولا حالة مؤقتة؛ إنه امتداد لشعب متجذر في أرضه. ومن ثم فإن المشاركة السياسية، لمن يختارها، يمكن أن تكون إحدى أدوات تثبيت هذا الحضور، فيما يبقى جوهر القضية أوسع من الكنيست وصناديق الاقتراع: حماية الإنسان والأرض والهوية والحقوق، وصون الوجود الفلسطيني في وطنه التاريخي.



