تصريحات لابيد بين الرواية السياسية وقواعد القانون الدولي الإنساني
إعداد: المحامي علي أبوحبلة
تصريحات لابيد بين الرواية السياسية وقواعد القانون الدولي الإنساني
إعداد: المحامي علي أبوحبلة
ليست كل رواية سياسية دليلاً قضائياً، لكن بعض الروايات تستحق التوقف أمامها عندما تتصل بحياة المدنيين والأطفال وباللغة التي تُستخدم لتبرير العنف. وفي هذا السياق، قال زعيم المعارضة الإسرائيلية يائير لابيد إنه التقى مجموعة من الشبان الإسرائيليين، ونقل عنهم تأييد قتل الفلسطينيين في غزة، بما في ذلك الأطفال، بدعوى أنهم قد يكبرون مستقبلاً ويصبحون «إرهابيين». وتناقلت وسائل إعلام هذه التصريحات نقلاً عن مقابلة بودكاست.
وهنا يجب الفصل بوضوح بين الرواية المنقولة عن لابيد وبين إثبات مدى انتشار هذا التفكير في المجتمع الإسرائيلي؛ فلا يجوز تحويل حديثه عن مجموعة من الشبان إلى حكم على الإسرائيليين عموماً. وفي المقابل، لا يصح تجاهل خطورة مضمون الرواية إذا ثبتت دلالتها في سياق أوسع.
من الناحية القانونية، المسألة أكثر وضوحاً. القانون الدولي الإنساني يقوم على حماية المدنيين، وعلى التمييز بين المدنيين والمقاتلين، ويحظر الهجمات العشوائية والمعاملة غير الإنسانية والعقوبات الجماعية. كما تنص المادة 33 من اتفاقية جنيف الرابعة على مبدأ المسؤولية الفردية وتحظر العقوبات الجماعية.
والأطفال يتمتعون بحماية خاصة أثناء النزاعات المسلحة، ولا يفقد الطفل هذه الحماية بسبب هويته أو مكان ولادته أو أفعال والديه أو الانتماء المفترض للمجتمع الذي يعيش فيه. وقد أكدت اللجنة الدولية للصليب الأحمر أن الأطفال يتمتعون بالحماية العامة المقررة للمدنيين، إضافة إلى حماية خاصة بسبب هشاشتهم.
ومن هنا يصبح السؤال أخلاقياً وقانونياً في آن واحد: كيف يمكن اعتبار طفل هدفاً مشروعاً بسبب ما قد يفعله بعد سنوات؟ المسؤولية في القانون ليست افتراضاً جماعياً، وإنما تقوم على الفعل والظروف والأدلة والمسؤولية الشخصية.
ولا ينبغي كذلك أن تتحول ذاكرة الاضطهاد الذي تعرض له اليهود في أوروبا، وصولاً إلى المحرقة النازية، إلى مبرر لمعاقبة الفلسطينيين جماعياً. كما أن رفض الظلم الواقع على الفلسطينيين لا يمكن أن يتحول إلى عداء لليهود باعتبارهم جماعة دينية أو إثنية.
والتاريخ نفسه أكثر تعقيداً من الصور النمطية؛ فقد عاشت جماعات يهودية لقرون في العراق واليمن ومصر والمغرب وتونس والجزائر وليبيا وغيرها من بلدان المنطقة، وكانت لها حياة دينية وثقافية واقتصادية داخل مجتمعات عربية وإسلامية. لكن ذلك التاريخ عرف أيضاً فترات من التمييز والاضطراب والعنف، خصوصاً خلال العقود التي سبقت وبعد قيام إسرائيل.
ومن هنا تبرز قضية أخرى تستحق النقاش الهادئ: إذا كانت بعض الحكومات والمؤسسات الدولية تثير مسألة المناهج والخطاب التعليمي في المجتمعات الفلسطينية والعربية، فمن المشروع التساؤل عن ضرورة اعتماد معيار واحد في التعامل مع خطاب الكراهية والتحريض على العنف، أياً كان مصدره، دون تعميم على شعب أو مجتمع بأكمله.
فالقانون الدولي الإنساني لا يضع معياراً لحماية طفل على أساس هويته. والإنسانية لا تتجزأ: الطفل الفلسطيني ليس مشروع مقاتل لمجرد أنه فلسطيني، والطفل الإسرائيلي ليس مسؤولاً عن أفعال حكومته لمجرد أنه إسرائيلي.
إن أخطر ما يمكن أن تفعله الحروب ليس تدمير الحجر فحسب، بل إعادة تعريف الإنسان باعتباره عدواً قبل أن يفعل شيئاً. وعندما يصبح الطفل متَّهماً بجريمة لم يرتكبها بعد، فإن الخطر لا يعود على جيل واحد فقط، بل على فكرة القانون نفسها.
فالعدالة لا تُبنى بالانتقام، والسلام لا يولد من الكراهية، وحماية المدنيين ليست موقفاً سياسياً؛ إنها التزام قانوني وإنساني لا يتغير بتغير الهوية.



