الفضل، وليس العدل وحده، ميزان العلاقات الزوجية
محمد قاروط أبو رحمه
الفضل، وليس العدل وحده، ميزان العلاقات الزوجية
محمد قاروط أبو رحمه
تقوم كثير من العلاقات الزوجية على سؤال مهم: هل أخذ كل طرف حقه؟
وهذا سؤال مشروع؛ فالعدل أساس في الحياة، وبه تحفظ الحقوق وتمنع المظالم.
لكن هل يكفي العدل وحده لبناء حياة زوجية مستقرة ومطمئنة؟
العلاقة الزوجية تحتاج إلى ما هو أوسع من حساب الحقوق والواجبات؛ تحتاج إلى الفضل.
وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (237) سورة البقرة
فالعدل يقول: هذا حقي وهذا حقك.
أما الفضل فيقول: ماذا أستطيع أن أقدم لك، حتى فيما ليس واجبا عليّ؟
ولهذا يمكن القول: العدل ميزان الحقوق، والفضل ميزان المودة.
ثلاثية الفضل
يظهر الفضل في العلاقة الزوجية في ثلاث ممارسات أساسية:
أولا: التغافر
التغافر أن يغفر الزوجان زلات بعضهما، وألا تتحول كل هفوة إلى قضية، ولا كل خطأ إلى حساب مفتوح.
فالإنسان ليس معصوما من الخطأ، والحياة المشتركة لا تخلو من مواقف تحتاج إلى الصبر والتجاوز.
التغافر لا يعني تبرير الأخطاء المؤذية، ولا يعني إسقاط الحقوق، وإنما يعني ألا نجعل الزلة العابرة مستقبل العلاقة.
التغافر يحرر العلاقة من أسر الماضي.
ثانيا: التغافل
التغافل أن ترى بعض ما يزعجك، لكن لا تجعل كل ما تراه موضوعا للمواجهة.
ليس كل خطأ يحتاج إلى تعليق، وليس كل كلمة تحتاج إلى رد، وليس كل اختلاف يحتاج إلى معركة.
التغافل ليس ألا ترى، وإنما أن ترى وتختار ما يستحق أن تتوقف عنده.
ولذلك فالتغافل ليس ضعفا، بل حكمة في إدارة العلاقة.
التغافل يحمي الحاضر من أن يتحول إلى سلسلة من الخصومات.
ثالثا: التفاضل
التفاضل أن يفضل كل طرف الآخر على نفسه في بعض المواقف.
أن يعطيه مما يحب، وأن يراعي تعبه، وأن يقدم راحته أحيانا على راحته، لا لأنه مجبور، بل لأنه يريد أن يفعل ذلك.
ولا يعني التفاضل أن يلغي أحد الزوجين نفسه، أو أن يكون طرف دائما مضحيا والطرف الآخر دائما مستفيدا، وإنما يعني أن الزواج لا ينبغي أن يتحول إلى حساب دائم للمكاسب الشخصية.
التفاضل هو أن تقول بالفعل: راحتك تهمني، حتى عندما لا يكون ذلك واجبا عليّ.
والاحترام يحفظ الفضل
وهنا تأتي قيمة لا ينبغي خلطها بغيرها: الاحترام.
الاحترام ليس حبا، وليس انجذابا، وليس توافقا، وليس إعجابا، وليس موافقة على كل شيء.
الاحترام شيء مستقل.
قد يختلف الزوجان، وقد يقل الانجذاب بينهما في مرحلة من مراحل الحياة، وقد تتغير المشاعر، لكن ذلك كله لا يعطي أي طرف حق إهانة الآخر أو تحقيره أو التقليل من إنسانيته.
فالاحترام يعني أن أتعامل مع الآخر بوصفه إنسانا له كرامته وقيمته وحدوده، حتى عندما لا أوافقه، وحتى عندما لا أشعر تجاهه بالمشاعر نفسها التي كانت في بداية العلاقة.
ولهذا يمكن القول:
الاحترام يحفظ الفضل حتى عندما ينخفض الانجذاب.
فإذا كان الانجذاب شعورا قد يتغير، او قد يتغير التعبير عنه، والفضل ممارسة يمكن أن نختارها، فإن الاحترام هو أحد الضوابط التي تمنع تغير المشاعر من التحول إلى إساءة.
وهنا يجب ألا نخلط بين الأشياء:
الحب ليس احتراما،
والاحترام ليس حبا،
والانجذاب ليس احتراما،
والتوافق ليس احتراما.
قد توجد هذه الأشياء مجتمعة، وقد يضعف بعضها، لكن الاحترام يظل قيمة قائمة بذاتها.
بين العدل والفضل والاحترام
العدل يحفظ الحقوق.
والفضل يوسع مساحة العطاء والتجاوز.
والاحترام يحفظ كرامة الإنسان داخل العلاقة.
ومن هنا يمكن النظر إلى العلاقة الزوجية من خلال ثلاثة مستويات:
العدل: لا أظلمك ولا آخذ حقك.
الفضل: أعطيك أحيانا أكثر مما يجب عليّ، وأتغافر معك وأتغافل وأفضلك في بعض المواقف.
الاحترام: أحفظ كرامتك، حتى في الاختلاف، وحتى عندما تتغير بعض المشاعر.
وهذه المستويات لا تلغي بعضها؛ بل يكمل بعضها بعضًا.
الخلاصة
الزواج ليس محكمة دائمة لحساب الحقوق، ولا علاقة تقوم على المشاعر وحدها.
إنه حياة مشتركة تحتاج إلى عدل يحفظ الحقوق، وفضل يحفظ المودة، واحترام يحفظ الكرامة.
والفضل في الحياة الزوجية يمكن أن نراه في ثلاثية:
نتغافر عن الزلات،
ونتغافل عن الهفوات التي لا تستحق أن تهدم المودة،
ونتفاضل فنقدم الآخر على أنفسنا في بعض المواقف.
أما الاحترام، فيبقى حاضرا فوق ذلك كله: نختلف دون إهانة، ونغضب دون تحقير، وتتغير بعض مشاعرنا دون أن تسقط كرامة الآخر.
ولهذا: العدل ميزان الحقوق، والفضل ميزان المودة، والاحترام حارس الكرامة.
ثلاثية الفضل: التغافر، والتغافل، والتفاضل؛ والاحترام هو الذي يحفظ ممارسة الفضل عندما تتغير الظروف والمشاعر.



