شطب «راعام».. قرار انتخابي أمام اختبار المحكمة العليا وتحدي تمثيل الصوت العربي

إعداد: المحامي علي أبوحبلة

سبتمبر 24, 2026 - 09:02
شطب «راعام».. قرار انتخابي أمام اختبار المحكمة العليا وتحدي تمثيل الصوت العربي

شطب «راعام».. قرار انتخابي أمام اختبار المحكمة العليا وتحدي تمثيل الصوت العربي
إعداد: المحامي علي أبوحبلة
أعاد قرار لجنة الانتخابات المركزية الإسرائيلية شطب القائمة العربية الموحدة «راعام»، برئاسة منصور عباس، ومنعها من خوض انتخابات الكنيست المقبلة، فتح ملف المشاركة السياسية للمواطنين العرب داخل إسرائيل، وحدود استخدام آلية الشطب الانتخابي في مواجهة قائمة تخوض الانتخابات ضمن الإطار القانوني والمؤسسي الإسرائيلي.
وبحسب ما أوردته الصحافة الإسرائيلية، صوّتت لجنة الانتخابات بأغلبية 18 عضواً مقابل 5 على شطب «راعام»، استناداً إلى طلبات تقدمت بها جهات سياسية إسرائيلية، من بينها حزب الليكود وحزب «عوتسما يهوديت». لكن القرار لا يمثل نهاية المسار القانوني؛ إذ أشارت «تايمز أوف إسرائيل» إلى أن القرار سيخضع للمراجعة أمام المحكمة العليا، وأن سوابق المحكمة تظهر عتبة مرتفعة جداً لقبول شطب القوائم الانتخابية. 
تايمز أوف إسرائيل
وهنا تبرز نقطة قانونية وسياسية جديرة بالتوقف عندها: قائمة «راعام» تضم في موقع متقدم مرشحاً يهودياً إسرائيلياً، هو يوآف سيغالوفيتش، الوزير السابق وعضو الكنيست السابق والضابط السابق في الشرطة الإسرائيلية، الذي انضم إلى القائمة في موقع متقدم، في خطوة وصفتها الصحافة الإسرائيلية بأنها سابقة سياسية لافتة. 
تايمز أوف إسرائيل 
وهذه الواقعة يمكن أن تشكل، من وجهة نظر دفاع القائمة، عنصراً مهماً أمام المحكمة العليا عند تقييم الادعاءات التي تستند إليها طلبات الشطب، وإن كانت لا تحسم القضية بمفردها.
فوجود شخصية يهودية إسرائيلية معروفة، ذات خلفية سياسية وأمنية ومؤسساتية، على قائمة انتخابية عربية، يمكن أن يُستخدم للقول إن «راعام» تقدم نفسها للناخبين من خلال العمل السياسي البرلماني والمشاركة في مؤسسات الدولة، وليس من خلال الدعوة إلى إلغاء المشاركة السياسية أو الانخراط في إطار خارج العملية الانتخابية.
والأهم أن سيغالوفيتش نفسه تحدث، في تصريحات نقلتها الصحافة الإسرائيلية، عن رغبته في بناء شراكة سياسية بين المواطنين اليهود والعرب، وقال إنه يرى أن التأثير السياسي يتحقق من خلال الجلوس إلى طاولة صنع القرار. 
تايمز أوف إسرائيل
المستشارة القضائية للحكومة في موقف مختلف
وتزداد أهمية هذه المعطيات مع موقف المستشارة القضائية للحكومة الإسرائيلية غالي بهراف-ميارا، إذ نقلت «تايمز أوف إسرائيل» عن ممثلتها أمام اللجنة أن مكتبها عارض شطب «راعام»، ورأى أن الأدلة المقدمة لا تحقق العتبة القانونية المطلوبة للشطب.
كما أشارت ممثلة المستشارة إلى أن بعض الاقتباسات الواردة في طلبات الشطب نفسها يمكن أن تُفهم على أنها تؤكد اعتراف منصور عباس بالطابع اليهودي للدولة، بينما اعتبرت أن الادعاءات المتعلقة بالتحريض على العنصرية لا تستند إلى أدلة كافية. 
تايمز أوف إسرائيل
وفي المقابل، قدم مركز «عدالة» رداً قانونياً على طلبات الشطب، مؤكداً أن الالتماسات ضد «راعام» لا تقدم، بحسب موقفه، أدلة تثبت دعم القائمة للكفاح المسلح أو تحقق أي سبب قانوني آخر من أسباب الشطب. 
عدالة
بين الادعاءات السياسية والاختبار القضائي
لا يمكن تجاهل أن بعض المسؤولين الإسرائيليين، وفي مقدمتهم وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير، تبنوا خطاباً شديداً ضد «راعام»، ووجهوا إليها اتهامات تتعلق بعلاقاتها ومواقفها السياسية. غير أن هذه مواقف سياسية مقدمة في إطار طلبات الشطب وليست أحكاماً قضائية نهائية، ومن الضروري قانونياً الفصل بين الادعاء وبين ثبوته أمام القضاء. 
تايمز أوف إسرائيل
وهنا تكمن أهمية المحكمة العليا؛ فالسؤال الذي يفترض أن تبحثه ليس مدى شعبية «راعام» أو مدى قبول مواقفها سياسياً، وإنما ما إذا كانت الأدلة المقدمة تستوفي فعلاً الشروط القانونية الصارمة التي تبرر حرمان قائمة انتخابية من حقها في خوض الانتخابات.
كما أن وجود سيغالوفيتش على قائمة «راعام» يضيف بعداً جديداً إلى النقاش. فهو ليس مجرد مرشح رمزي؛ بل شخصية يهودية إسرائيلية ذات سجل سياسي وأمني معروف، وقد انضم إلى قائمة يقودها حزب عربي إسلامي محافظ، وهو ما يمثل، على الأقل من الناحية الواقعية، مثالاً على إمكان وجود شراكة سياسية عابرة للهوية القومية داخل الإطار الانتخابي الإسرائيلي. 
تايمز أوف إسرائيل 
هل يتحول الشطب إلى تغييب للصوت العربي؟؟
القضية في جوهرها لا تتعلق فقط بمنصور عباس أو «راعام»، وإنما بمبدأ أوسع هو حق المواطنين العرب في المشاركة السياسية واختيار ممثليهم.
ومن الطبيعي أن يكون للدولة قانون يحدد الحالات التي يجوز فيها منع قائمة أو مرشح من خوض الانتخابات، خصوصاً في القضايا المتعلقة بالتحريض أو العنف أو رفض الأسس القانونية للدولة. لكن في المقابل، فإن استخدام هذه الآلية يجب أن يبقى استثنائياً، وأن يستند إلى أدلة واضحة ومحددة، لا إلى مجرد الخلاف السياسي.
ومن هنا فإن المعركة القانونية الحقيقية تبدأ الآن أمام المحكمة العليا.
فوجود مرشح يهودي إسرائيلي في موقع متقدم على قائمة عربية، إلى جانب موقف المستشارة القضائية للحكومة، والتباين بين الادعاءات السياسية والأدلة المطلوبة قانوناً، كلها عناصر يمكن أن تدخل في المرافعة القانونية للقائمة، لكن القرار النهائي يبقى للمحكمة وحدها.
ويبقى السؤال السياسي الأوسع مطروحاً: إذا كانت الانتخابات هي الوسيلة التي يفترض أن تسمح لجميع المواطنين بالمشاركة في صناعة القرار، فهل ينبغي أن يكون الأصل هو توسيع مساحة المشاركة السياسية، والاستثناء هو الاستبعاد، وبأعلى معيار من الإثبات والرقابة القضائية؟
إن حماية النظام الديمقراطي لا تكون فقط بمنع من يثبت قانوناً أنه تجاوز الحدود التي رسمها القانون، وإنما أيضاً بضمان ألا تتحول آليات المنع إلى وسيلة لإقصاء تيار سياسي أو جمهور انتخابي بأكمله.
وفي قضية «راعام»، سيكون قرار المحكمة العليا اختباراً مهماً للتوازن بين الأمن والقانون من جهة، وحرية المشاركة السياسية والتعددية الانتخابية من جهة أخرى، كما سيكون اختباراً لمدى قدرة النظام السياسي الإسرائيلي على استيعاب الصوت العربي داخل مؤسساته الانتخابية، بعيداً عن الاستقطاب والاتهامات المتبادلة.
المحامي علي أبوحبلة