مطالبات بتعديل قانون الجرائم الإلكترونية لضمان الخصوصية وحرية الرأي والتعبير وضبط صلاحيات التفتيش والحجب

ائتلاف أمان يناقش أثر قانون الجرائم الإلكترونية على الفضاء المدني في فلسطين

سبتمبر 23, 2026 - 17:55
مطالبات بتعديل قانون الجرائم الإلكترونية لضمان الخصوصية وحرية الرأي والتعبير وضبط صلاحيات التفتيش والحجب

مطالبات بتعديل قانون الجرائم الإلكترونية لضمان الخصوصية وحرية الرأي والتعبير وضبط صلاحيات التفتيش والحجب

ائتلاف أمان يناقش أثر قانون الجرائم الإلكترونية على الفضاء المدني في فلسطين

رام الله ناقش الائتلاف من أجل النزاهة والمساءلة (أمان)، خلال جلسة عقدها حول ورقة بحثية بعنوان "القرار بقانون بشأن الجرائم الإلكترونية رقم (10) لسنة 2018 وتعديلاته وأثره على الفضاء المدني في فلسطين"، أبرز الإشكاليات المرتبطة بتطبيق القانون وانعكاساته على الخصوصية وحرية الرأي والتعبير والعمل المدني، بحضور ممثلين عن مؤسسات رسمية ومؤسسات مجتمع مدني وجهات حقوقية وإعلامية ذات علاقة.

وأكد المشاركون أهمية وجود تشريع فاعل لمواجهة الجرائم الإلكترونية، بالتوازي مع ضرورة توفير ضمانات واضحة تحول دون استخدامه لتقييد حرية الرأي والتعبير أو توسيع صلاحيات التفتيش والمراقبة والحجب، داعين إلى مراجعة النصوص الفضفاضة وتعزيز الرقابة القضائية وحماية البيانات الشخصية ومصادر الصحفيين.

 

 

التوازن بين مكافحة الجرائم الإلكترونية وحماية الفضاء المدني

وأشار المدير التنفيذي لائتلاف أمان، عصام حج حسين، إلى أن التطور المتسارع في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات والذكاء الاصطناعي أوجد فرصًا واسعة للتواصل والمشاركة والوصول إلى المعلومات، لكنه فرض في الوقت ذاته تحديات جديدة تتعلق بالجرائم الإلكترونية وإساءة استخدام التقنيات الحديثة والمساس بالخصوصية والأمن الرقمي.

وأكد أهمية تطوير التشريعات لمواكبة هذه التطورات وسد الفراغات القانونية، مع ضرورة تحقيق التوازن بين مكافحة الجرائم الإلكترونية وحماية حرية الرأي والتعبير والحق في النقد والمساءلة، بما يضمن ألا تتحول التشريعات الناظمة للفضاء الرقمي إلى أداة لتقييد الفضاء المدني.

وأوضح حج حسين أن ائتلاف أمان لمس بصورة مباشرة أثر قانون الجرائم الإلكترونية على مساحة عمل المجتمع المدني، مشيرًا إلى القضية المرفوعة على الائتلاف على خلفية ما نشره بشأن قضية تبييض وتمرير تمور المستوطنات، والتي استندت إلى قانون الجرائم الإلكترونية. وأكد أن المطلوب هو تطبيق القانون بما يحمي المجتمع من الجرائم الإلكترونية، دون الحد من قدرة مؤسسات المجتمع المدني على ممارسة دورها في الرقابة والمساءلة وكشف القضايا ذات المصلحة العامة.

نصوص فضفاضة وصلاحيات تقديرية واسعة

واستعرضت الباحثة عنان جبعيتي أبرز ما ورد في الورقة البحثية، التي تناولت تطور البيئة الرقمية وأثرها على المشاركة المدنية وحرية الرأي والتعبير، إلى جانب التحديات المرتبطة بمكافحة الجرائم الإلكترونية وحماية الخصوصية والحقوق والحريات العامة.

وأشارت الورقة إلى أن التحول الرقمي جعل الفضاء الإلكتروني مجالًا أساسيًا للمشاركة المدنية والتعبير عن الرأي والممارسات الرقابية، الأمر الذي يستدعي وجود أطر تشريعية تحقق التوازن بين متطلبات الأمن الرقمي وحماية الحقوق والحريات.

وخلصت الورقة إلى وجود إشكاليات في عدد من نصوص القرار بقانون، من بينها استخدام مصطلحات فضفاضة مثل "النظام العام" و"السلم الأهلي"، بما يتيح، وفق الورقة، مساحة واسعة للتقدير في تطبيق القانون.

كما أشارت إلى إشكاليات مرتبطة بضمانات المحاكمة العادلة والخصوصية ومراقبة الاتصالات وحفظ البيانات وحجب المواقع الإلكترونية، إلى جانب غياب تشريع متكامل لحماية البيانات الشخصية.

وحذرت الورقة من أن ملاحقة النشطاء والمواطنين على خلفية التعبير الرقمي قد تؤدي إلى خلق حالة من الرقابة الذاتية، بما يؤثر على قدرة المجتمع المدني والجمهور على ممارسة دورهم في الرقابة ومساءلة صناع القرار حول قضايا الفساد وإدارة الشأن العام.

 

تعزيز الرقابة القضائية وحماية البيانات والخصوصية

ودعت الورقة مجلس الوزراء ووزارة العدل إلى مواءمة قرار بقانون الجرائم الإلكترونية رقم (10) لسنة 2018 وتعديلاته مع الاتفاقيات والمعايير الدولية المتعلقة بحرية الرأي والتعبير والحريات الإعلامية والحقوق الرقمية والحق في الخصوصية.

وشملت التوصيات إعادة النظر في عدد من مواد القرار بقانون، وتعزيز الرقابة القضائية على الوصول إلى البيانات والتفتيش الرقمي ومراقبة الاتصالات، وتحديد نطاق ومدة إجراءات المراقبة والتحفظ على البيانات.

كما أوصت بحماية البيانات غير المرتبطة بالجريمة، ولا سيما بيانات الصحفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان، ومنع أوامر المراقبة العامة أو الشاملة، وتوفير ضمانات للطعن والرقابة القضائية، إلى جانب إعادة النظر في النصوص المتعلقة بجرائم النشر وحرية الرأي والتعبير.

ودعت كذلك إلى مراجعة آليات حجب المواقع والمنصات الإعلامية والحقوقية، وبناء قدرات مؤسسات المجتمع المدني في مجالات الأمان الرقمي والرصد والتوثيق والمناصرة القانونية.

تعديلات حكومية على القانون واستمرار التشاور مع المجتمع المدني

من جانبها، أوضحت المستشارة القانونية في وزارة العدل، أريج الشيخ، أن الوزارة تعمل على تعديل قانون الجرائم الإلكترونية بتوجيهات من مجلس الوزراء وفي إطار المسار الإصلاحي، مؤكدة انفتاح الوزارة على إدخال التعديلات اللازمة وتصويب أي نص قد يشكل انتهاكًا للحقوق أو يكون قابلًا للاستغلال.

وأشارت إلى أن الوزارة تسعى إلى صياغة نصوص واضحة لا تحتمل التأويل، وتحقق التوازن بين حماية الحقوق والحريات ومتطلبات عمل السلطات العامة، مع الالتزام بمواءمة القانون مع التشريعات والاتفاقيات الدولية. وأضافت أن الوزارة تلقت ملاحظات وتعديلات من مختلف مكونات المجتمع المدني، وأن العمل على الصيغة الحالية جاء في إطار هذا التشاور للوصول إلى قانون أكثر وضوحًا وتوافقًا.

ضبط صلاحيات التفتيش والتحقيق

واعتبر المحامي فراس كراجة أن الحاجة إلى قانون للجرائم الإلكترونية يجب أن تقترن بأن يكون الهدف منه حماية الأفراد والمواطنين، لا تقييد حرياتهم، مشيرًا إلى تعرض صحفيين لإجراءات قانونية استنادًا، في بعض الحالات، إلى قانون الجرائم الإلكترونية. وشدد على ضرورة حصر أعمال الضبط والتحقيق بالجهات المخولة قانونًا، مؤكدًا أن تفتيش الهواتف والأجهزة الخاصة يمس الخصوصية، ويجب بالتالي أن يخضع لضمانات وأذونات قانونية واضحة، وفق مبدئي الضرورة والتناسب.

 

ضرورة تحديد مفهوم الجريمة الإلكترونية بدقة

وقالت مسؤولة السياسات العامة في مؤسسة مفتاح، عهود مرقطن، إن مؤسسات المجتمع المدني شاركت في نقاشات موسعة حول القانون وأعدت ملاحظات وتعديلات جرى بحثها مع وزارة العدل وهيئة مكافحة الفساد، داعية إلى تضمين ما تم التوافق عليه في الصيغة النهائية.

وحذرت من أن دمج الجرائم الإلكترونية بجرائم الاتصالات والمعلومات دون تعريف دقيق قد يؤدي إلى توسيع نطاق التجريم، مؤكدة أن مجرد استخدام وسيلة إلكترونية للتعبير لا يعني بالضرورة أن الفعل يشكل جريمة إلكترونية. كما شددت على أهمية حماية الخصوصية وحصر مهام الضبط القضائي في قضايا الجرائم الإلكترونية بالشرطة المدنية وتحديد الجهات المخولة بهذه الصلاحيات بوضوح.

الحجب والتفتيش بحاجة إلى رقابة قضائية فعالة

وأوضح الباحث القانوني في الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان، عمار جاموس، أن حصر صفة مأمور الضبط القضائي بالشرطة في مشروع القانون المعدل يمثل خطوة مهمة، لكنه لا يعالج جميع الإشكاليات التي أثيرت بشأن القانون، ولا سيما ما يتعلق بالخصوصية والتفتيش.

وحذر من تحول تفتيش الأجهزة الإلكترونية من البحث عن أدلة تتعلق بجريمة محددة إلى البحث عن جرائم محتملة، بما يمس ضمانات الخصوصية والمراقبة والتفتيش. كما اعتبر أن حجب المواقع الإلكترونية ينبغي ألا يتحول إلى عقوبة تسبق صدور حكم قضائي نهائي، داعيًا إلى تعزيز الرقابة القضائية على إجراءات التفتيش والحجب، وعدم توسيع مفهوم الجريمة الإلكترونية ليشمل كل فعل ارتكب باستخدام وسيلة إلكترونية.

حماية مصادر الصحفيين والبيانات الشخصية

وأعربت الصحافية فاطمة عبد الكريم عن قلقها من بعض جوانب قانون الجرائم الإلكترونية، خصوصًا ما يتعلق بحماية مصادر الصحفيين، معتبرة أن التوسع في صلاحيات الكشف عن المصادر قد يؤثر سلبًا على العمل الصحفي والتعددية.

من جانبه، أشار مدير التوثيق في مركز حملة، أحمد قاضي، إلى تزايد القضايا المرتبطة بالتشهير واختراق الحسابات والابتزاز الإلكتروني، ولا سيما الحالات التي تستهدف صحفيات وناشطات.

وأكد أن تقييم القانون يجب ألا يقتصر على صياغة النصوص، بل ينبغي أن يشمل طريقة تطبيقه والنتائج التي حققها، مشددًا على أهمية حماية البيانات الشخصية وتطوير القدرات الفنية اللازمة للتعامل مع الجرائم الإلكترونية.

 

تقييم القانون في ضوء التجربة العملية

وأشار مدير مؤسسة استقلال، ماجد العاروري، إلى أهمية تقييم أثر قانون الجرائم الإلكترونية والضمانات التي يوفرها استنادًا إلى التجربة العملية منذ بدء تطبيقه.

ودعا إلى تصنيف الجرائم وفق طبيعتها والفعل المرتكب، وليس فقط وفق الوسيلة المستخدمة في ارتكابها، بحيث ترتبط العقوبة بطبيعة الجريمة نفسها، مع الاستناد إلى الوقائع والتجارب العملية في تحديد التعديلات المطلوبة لتحقيق التوازن بين مكافحة الجرائم وحماية الحريات العامة.

مراجعة جوهر القانون وعدم الاكتفاء بتعديلات شكلية

وفي ختام الجلسة، أكد مستشار مجلس إدارة ائتلاف أمان لشؤون مكافحة الفساد، د. عزمي الشعيبي، أن مراجعة قانون الجرائم الإلكترونية يجب ألا تقتصر على تعديلات شكلية، بل ينبغي أن تعالج جوهر الإشكاليات التي أظهرتها التجربة العملية، خاصة فيما يتعلق بالتفتيش والحجب وحماية الخصوصية.

وحذر من التوسع في تعريف الجرائم الإلكترونية لمجرد استخدام الوسيلة الإلكترونية، مؤكدًا أن حماية الخصوصية والحقوق والحريات، إلى جانب مكافحة الجرائم الفعلية في الفضاء الرقمي، تشكل أساسًا ضروريًا لبناء الثقة بالمؤسسات العامة.