خطاب الملك عبدالله الثاني في الأمم المتحدة: من إدارة الأزمات إلى إعادة بناء النظام الدولي
إعداد: المحامي علي أبو حبلة
خطاب الملك عبدالله الثاني في الأمم المتحدة: من إدارة الأزمات إلى إعادة بناء النظام الدولي
إعداد: المحامي علي أبو حبلة
جاء خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الحادية والثمانين، في لحظة إقليمية ودولية بالغة الحساسية، ليضع القضية الفلسطينية في إطار أوسع من حدود الحرب والهدنة والمساعدات الإنسانية، وليطرح سؤالاً جوهرياً يتعلق بمستقبل النظام الدولي: ماذا يبقى من القانون الدولي إذا تحولت الانتهاكات المؤقتة إلى وقائع دائمة، وأصبحت القرارات الدولية بلا آليات تنفيذ؟
اختار جلالة الملك مفهوم «الانتباه» مدخلاً لخطابه، لكنه سرعان ما حوّله إلى مفهوم جيوسياسي. فالأزمات الممتدة، كما أوضح، تخسر تدريجياً اهتمام العالم، بينما تستمر الوقائع على الأرض في إعادة تشكيل المستقبل. ومن هنا تبرز خطورة التعامل مع القضية الفلسطينية باعتبارها أزمة إنسانية متكررة تحتاج إلى إدارة، بدلاً من كونها قضية سياسية وقانونية تتطلب معالجة جذورها.
وتكمن إحدى أهم الرسائل الاستراتيجية في تأكيد أن غزة والضفة الغربية تمثلان وحدة سياسية وجغرافية وقانونية واحدة. فالتدمير في غزة، والاستيطان ومصادرة الأراضي والتهجير في الضفة الغربية، لا يمكن فصلها عن السؤال المركزي المتعلق بإمكانية قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة. إن استمرار التعامل مع الجبهتين كملفين منفصلين قد يؤدي عملياً إلى تكريس التجزئة الجغرافية والسياسية، وإضعاف الأساس الذي تقوم عليه أي تسوية سياسية مستقبلية.
أما على المستوى القانوني، فقد أعاد الخطاب وضع الاستيطان والضم والتهجير في إطار قواعد القانون الدولي، وليس باعتبارها مجرد موضوعات تفاوضية. وقد أكد مجلس الأمن في القرار 2334 عدم شرعية المستوطنات في الأرض الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967، بينما خلصت محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري لعام 2024 إلى أن سياسات الاستيطان والضم والتدابير المرتبطة بها تمس بصورة جوهرية حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير. وهذه المرجعيات تجعل المسألة تتجاوز الخلاف السياسي إلى نطاق المسؤولية القانونية الدولية.
والأكثر أهمية أن خطاب الملك ركز على الفجوة بين القانون والتنفيذ. فالمجتمع الدولي يمتلك القرارات والأدوات الدبلوماسية والاقتصادية، لكن التحدي الحقيقي يكمن في تحويل هذه الأدوات إلى إجراءات عملية تضمن احترام القانون الدولي ومساءلة من ينتهكه. فالقانون الذي لا يطبق بصورة متسقة يفقد جزءاً من قدرته على الردع، وتصبح ازدواجية المعايير عاملاً إضافياً في إضعاف الثقة بالنظام الدولي.
كما حمل الخطاب رسالة واضحة بشأن التطورات في سوريا، خصوصاً الجنوب السوري، رابطاً أمن الحدود والأمن المائي بالمصالح الاستراتيجية الأردنية. وهذا يعكس رؤية أردنية تعتبر أن أمن المملكة لا ينفصل عن استقرار الإقليم، وأن منع تمدد الأزمات والصراعات إلى حدودها يمثل جزءاً أساسياً من الأمن الوطني.
وفي القدس، أكد جلالة الملك استمرار الأردن في حمل أمانة الوصاية الهاشمية والحفاظ على الوضع التاريخي والقانوني القائم في المقدسات الإسلامية والمسيحية، بما يعكس مركزية القدس في السياسة الأردنية وفي أي مسار جاد نحو السلام.
إن العمق الاستراتيجي للخطاب يتمثل في الانتقال من إدارة الأزمات إلى معالجة أسبابها. فالهدنة لا تكفي إذا لم تقترن بمسار سياسي، والمساعدات الإنسانية لا يمكن أن تكون بديلاً عن الحل، ووقف القتال لا يحقق الاستقرار إذا استمرت مسببات النزاع من احتلال واستيطان وتهجير وانتهاك للحقوق.
وفي المحصلة، وضع خطاب الملك عبدالله الثاني المجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي: ليس المطلوب إنتاج مزيد من القرارات، وإنما ضمان احترامها وتنفيذها. فمستقبل الاستقرار الإقليمي يرتبط بقدرة المجتمع الدولي على استعادة الثقة بالقانون الدولي، وإيجاد مسار سياسي يضمن حقوق الشعب الفلسطيني، ويحمي المدنيين، ويمنع التهجير والضم، ويحافظ على وحدة الأرض الفلسطينية.
فالسلام المستدام لا يصنعه الصمت عن الوقائع، ولا إدارة الأزمات إلى ما لا نهاية، وإنما تصنعه العدالة والقانون والإرادة السياسية القادرة على تحويل القرارات الدولية من نصوص مكتوبة إلى واقع قابل للحياة.



