الاستيطان لا يغيّر الأرض فقط.. بل يضيّق خيارات إسرائيل
د. إبراهيم نعيرات
د. إبراهيم نعيرات
منذ اندلاع الحرب على غزة، لم تكن الضفة الغربية خارج الحرب، حتى وإن اختلف شكل المواجهة فيها. فبينما انشغلت الأنظار بالقصف والعمليات العسكرية في القطاع، كانت الضفة تشهد حملة موازية من الاقتحامات والاعتقالات والتهجير وعنف المستوطنين وتوسيع السيطرة على الأرض. وهكذا تحولت الحرب إلى مشهدين متلازمين: حرب مفتوحة في غزة، وإعادة ترتيب هادئة ومتسارعة للضفة.
وهذه النقطة مهمة لفهم ما جرى بعد 7 أكتوبر. فالحكومة الإسرائيلية لم تواجه فقط لحظة أمنية استثنائية، بل وجدت نفسها أمام فرصة سياسية نادرة لإعادة تشكيل الواقع في الضفة تحت غطاء الزخم الحربي. فقد انخفضت قدرة الفلسطينيين على الرد، وانشغل العالم بالحرب وتداعياتها، وأصبح المجال السياسي الدولي أكثر انشغالا بالملف الغزي من تفاصيل ما يجري على الأرض في الضفة. وفي مثل هذه اللحظات لا تحتاج المشاريع طويلة المدى إلى إعلان نفسها؛ يكفي أن تتحرك بسرعة بينما ينشغل الجميع بالحرب.
ومن هنا يمكن فهم تسارع الاستيطان باعتباره استثمارا للحظة تاريخية أكثر منه مجرد استمرار آلي لسياسة سابقة. فالحرب لم تصنع المشروع الاستيطاني، لكنها وفرت له بيئة استثنائية للتوسع وتثبيت الوقائع. وما كان يحتاج في ظروف أخرى إلى نقاش سياسي طويل أو إلى مواجهة داخلية ودولية أكبر، أصبح قابلا للتمرير تحت ضغط الأمن والحرب وإعادة ترتيب الأولويات.
لكن أهمية هذه العملية لا تكمن فقط في أثرها على الفلسطينيين. هناك أثر آخر أقل وضوحا، لكنه ربما أكثر استدامة: الاستيطان الذي يغيّر الأرض اليوم يغيّر أيضا شروط السياسة الإسرائيلية غدا.
فالمستوطنة لا تبدأ كواقع اجتماعي وسياسي؛ تبدأ كقرار. قطعة أرض، طريق، بيوت، خدمات، حماية أمنية، ثم سكان. وبعد سنوات لا تعود مجرد مشروع أقامته حكومة، بل تصبح مجتمعا له مصالح واحتياجات ومؤسسات وامتدادات سياسية. وكلما كبر هذا المجتمع، أصبح مرتبطا بشبكة أوسع من الطرق والموازنات والخدمات والأمن والتمثيل السياسي.
في البداية تصنع الحكومة المستوطنة، ثم تبدأ المستوطنة نفسها في التأثير على الحكومة.
وهنا تتغير طبيعة المسألة. فالحكومة التي تنشئ واقعا جديدا تستطيع أن تقول إنها اتخذت قرارا سياسيا. لكن الحكومة التي تأتي بعدها لا تواجه القرار وحده؛ تواجه النتائج التي ترتبت عليه. لا تواجه أرضا كما كانت، بل أرضا تغيرت، وسكانا استقروا، ومصالح تشكلت، وبنية تحتية أنفقت عليها الدولة، وترتيبات أمنية وإدارية أصبحت جزءا من الحياة اليومية.
وهذا هو المعنى الأهم لـ«نقطة اللاعودة». ليست نقطة يستحيل بعدها التراجع، وإنما نقطة يصبح فيها التراجع أكثر صعوبة وكلفة. فالإخلاء ممكن من حيث المبدأ، لكن إخلاء واقع قائم يختلف تماما عن منع قيامه منذ البداية.
ولهذا فإن كل مستوطنة جديدة لا تضيف فقط إلى مساحة الاستيطان، بل تضيف أيضا إلى الكلفة السياسية لأي حكومة تريد عكسه. وكل طريق جديد لا يخدم المستوطنين وحدهم، بل يربطهم بشبكة تجعل وجودهم أكثر رسوخا. وكل بنية إدارية جديدة تجعل السيطرة أقل ارتباطا بقرار عابر وأكثر ارتباطا بمؤسسات الدولة.
هنا ينتقل الاستيطان من بناء البيوت إلى بناء واقع سياسي.
والأهم أن هذا الواقع لا ينتهي بانتهاء الحكومة التي أنشأته. قد تتغير الحكومات، وقد تتغير التحالفات، وقد تظهر أصوات إسرائيلية تدعو إلى مسار مختلف، لكن هذه الأصوات ستجد أمامها واقعا لم تصنعه. وسيصبح عليها، إذا أرادت التراجع، أن تدفع ثمن قرارات اتخذها غيرها.
وهذه هي الفكرة المركزية التي تجعل الاستيطان في المرحلة الراهنة مختلفا: الحكومة الحالية لا تستطيع أن تضمن بقاءها، لكنها تستطيع أن تجعل آثار سياستها أبقى منها.
الحرب منحتها لحظة مناسبة لفعل ذلك. فحين تكون إسرائيل في حالة تعبئة وحرب، يصبح الأمن إطارا واسعا تمر من خلاله سياسات كثيرة. وحين يكون الفلسطينيون تحت ضغط عسكري وأمني وسياسي شديد، تتراجع قدرتهم على مقاومة كل تغيير يجري في آن واحد. وحين ينشغل العالم بالحرب، تصبح بعض التحولات في الضفة أقل ظهورا من حجمها الحقيقي.
بهذا المعنى، لم تكن الحرب مجرد خلفية للاستيطان؛ كانت جزءا من البيئة التي سمحت بتسريعه.
لكن السؤال الأهم ليس فقط ماذا فعلت الحكومة خلال الحرب، بل ماذا ستترك وراءها بعد الحرب.
إذا تركت مستوطنات أكثر، وطرقا أكثر، وسكانا أكثر، وبنية إدارية أكثر رسوخا، فإن الحكومة التالية لن تبدأ من النقطة التي بدأت منها الحكومة الحالية. ستبدأ من أرض أعيد ترتيبها، ومن شبكة مصالح تشكلت حولها، ومن جمهور أصبح وجوده مرتبطا باستمرارها.
وهنا يصبح الاستيطان نوعا من التقييد المسبق للسياسة. ليس تقييدا قانونيا يمنع الحكومة المقبلة من اتخاذ قرار مختلف، وإنما تقييد سياسي يجعل القرار المختلف أكثر كلفة.
وهذا يفسر أيضا لماذا لا يكفي النظر إلى الاستيطان باعتباره وسيلة للسيطرة على الفلسطينيين. فهو، في الوقت نفسه، يعيد تشكيل الداخل الإسرائيلي. كلما اتسع المشروع الاستيطاني، اتسعت معه القوى التي ستدافع عنه، وكلما أصبح أكثر اندماجا في الدولة، أصبح التراجع عنه أكثر تماسكا مع صراعات السياسة الداخلية.
ومن هنا يمكن فهم «الفيتو» الذي يصنعه الاستيطان. إنه ليس فيتو دستوريا ولا قرارا يمنع الحكومة من الفعل، وإنما فيتو سياسي واجتماعي يتكون تدريجيا من السكان والمصالح والطرق والميزانيات والأمن والتمثيل السياسي. حكومة المستقبل تستطيع نظريا أن تتراجع، لكنها ستجد أمامها شبكة كاملة من القوى التي نشأت داخل الواقع الذي تريد تغييره.
وهنا تصبح الأرض جزءا من السياسة، والسياسة أسيرة للأرض التي صنعتها.
إن أخطر ما في الاستيطان ليس أنه يوسع الخريطة الإسرائيلية اليوم فقط، بل أنه يرفع ثمن إعادة رسمها غدا. وليس فقط أنه يضيّق المجال الجغرافي أمام الدولة الفلسطينية، بل أنه يضيّق المجال السياسي أمام أي حكومة إسرائيلية قد تبحث مستقبلا عن تسوية مختلفة.
وهذا هو الإرث الذي يمكن أن تتركه الحرب وراءها. قد تنتهي العمليات، وقد تتغير الحكومات، وقد تتبدل التحالفات، لكن الوقائع التي بنيت خلال الحرب ستبقى. وعندها لن يكون السؤال أمام الحكومة التالية: ماذا تريد أن تفعل؟ بل ماذا تستطيع أن تفعل أمام ما أصبح قائما بالفعل؟
هنا تبلغ الفكرة ذروتها: الاستيطان لا يحتاج إلى أن يمنع الحكومة المقبلة من تغيير السياسة؛ يكفي أن يجعل تغييرها أصعب من استمرارها.
فالحكومات تتغير، أما الوقائع التي تبنيها على الأرض فقد تتحول إلى قوة سياسية تتجاوز عمرها. ولهذا فإن الاستيطان في هذه المرحلة لا يعمل فقط على تثبيت السيطرة على الأرض الفلسطينية، بل على تثبيت مسار سياسي داخل إسرائيل نفسها، بحيث تصبح الخيارات المستقبلية محكومة، منذ لحظة بدايتها، بوقائع لم تكن موجودة عندما بدأت الحكومة الحالية عملها.
الاستيطان لا يربح الأرض فقط؛ إنه يراهن على الزمن. وما يحاول أن يفعله اليوم هو أن يجعل من الصعب على السياسة الإسرائيلية غدا أن تستعيد حريتها في الأرض التي غيّرها الاستيطان.



