من حوار عباس إلى استحقاق المستقبل الفلسطيني

المصالحة والانتخابات وإعادة بناء النظام السياسي

سبتمبر 20, 2026 - 10:28
من حوار عباس إلى استحقاق المستقبل الفلسطيني

من حوار عباس إلى استحقاق المستقبل الفلسطيني
المصالحة والانتخابات وإعادة بناء النظام السياسي

بقلم: المحامي علي أبو حبلة
رئيس تحرير صحيفة صوت العروبه 

ليس المهم في الحوار الذي أجراه الرئيس محمود عباس مع الكاتب الصحفي المصري محمود بسيوني لـ«أخبار اليوم» المصرية، عدد الملفات التي تناولها، وإنما الرسالة السياسية التي يمكن قراءتها بين سطوره: فلسطين تقف أمام مرحلة لا تحتمل استمرار الانقسام، ولا تحتمل أن تتحول الترتيبات الانتقالية إلى واقع سياسي دائم.
حديث الرئيس عن مؤتمر قريب للمصالحة في القاهرة، وعن الانتخابات، وعن مستقبل غزة، ومنظمة التحرير، ووحدة المؤسسات والسلاح، يضع أمام القوى الفلسطينية استحقاقاً يتجاوز حدود الخلاف الفصائلي إلى سؤال أكبر: كيف يعاد بناء النظام السياسي الفلسطيني ليكون قادراً على تمثيل الشعب الفلسطيني في الوطن والشتات، وإدارة المرحلة المقبلة، ومواجهة الاحتلال على قاعدة وطنية موحدة؟
المصالحة ليست اتفاقاً جديداً
لقد شهدت الساحة الفلسطينية خلال السنوات الماضية اتفاقات ومبادرات كثيرة للمصالحة، لكن المشكلة لم تكن في غياب النصوص بقدر ما كانت في ضعف التنفيذ وغياب الضمانات السياسية والمؤسسية.
لذلك فإن مؤتمر القاهرة المرتقب يجب أن يكون مختلفاً في مضمونه وآلياته. المطلوب ليس تسوية مؤقتة بين الفصائل، وإنما إعادة بناء الوحدة الوطنية على أساس منظمة التحرير، وسيادة القانون، ووحدة المؤسسات، ووحدة القرار السياسي والأمني.
ومبدأ «دولة واحدة، مؤسسات واحدة، وسلاح واحد» الذي ورد في الحوار يفتح الباب أمام نقاش وطني جاد حول شكل الدولة الفلسطينية ومؤسساتها ومرجعياتها، بعيداً عن ازدواجية السلطة والقرار.
الانتخابات: تجديد للشرعية لا مجرد استحقاق
الانتخابات المقبلة، إذا جرت في ظروف قانونية وسياسية وميدانية تضمن شمولها، ينبغي أن تكون مدخلاً لتجديد الشرعية وإعادة بناء المؤسسات.
لكن الانتخابات لا تنهي الانقسام وحدها. نجاحها يتطلب اتفاقاً وطنياً على احترام نتائجها، وضمان مشاركة الفلسطينيين في غزة والضفة والقدس، وإعادة بناء المؤسسات على أساس الشرعية الانتخابية والقانونية.
وهنا يجب ألا تتحول الانتخابات إلى محطة لإعادة إنتاج الانقسام بأدوات جديدة، بل إلى بداية لمسار سياسي ومؤسسي يعيد توحيد النظام الفلسطيني.
غزة ليست ملفاً منفصلاً
مستقبل غزة هو مستقبل فلسطين، ولا يمكن فصل إعادة الإعمار عن إعادة توحيد المؤسسات. فالقطاع يحتاج إلى إعادة إعمار هائلة، لكنه يحتاج قبل ذلك إلى إطار سياسي فلسطيني واضح يمنع تحول الإدارة المؤقتة إلى انفصال دائم.
المطلوب أن تكون المرحلة الانتقالية جسراً إلى إدارة فلسطينية موحدة، وأن ترتبط المساعدات والإعمار ببناء المؤسسات المدنية وإعادة توحيد النظام القانوني والإداري، وصولاً إلى سلطة وطنية واحدة تمتد مسؤوليتها إلى غزة والضفة والقدس.
إعادة بناء منظمة التحرير
أما منظمة التحرير الفلسطينية، فإن إعادة الاعتبار لدورها لا تعني الاكتفاء بالحفاظ على هياكلها القائمة، وإنما تطويرها لتصبح أكثر تمثيلاً وقدرة على استيعاب التحولات الفلسطينية.
وهنا تبرز أهمية المجلس الوطني الفلسطيني، باعتباره الإطار الأوسع لتمثيل الفلسطينيين في الوطن والشتات. إن إعادة تفعيل مؤسسات منظمة التحرير وتوسيع المشاركة الوطنية فيها يمكن أن يشكلا مدخلاً لإعادة صياغة النظام السياسي الفلسطيني على قاعدة الشراكة والتمثيل.
ما بعد عباس: انتقال سياسي أم إعادة إنتاج للمرحلة السابقة؟
هذا السؤال ليس دعوة إلى التنبؤ بشخص الرئيس المقبل، ولا إلى فتح معركة خلافة سياسية، وإنما هو سؤال مؤسساتي يجب أن يطرح منذ الآن: هل سيكون الانتقال السياسي القادم انتقالاً مؤسسياً منظماً، أم استمراراً لآليات إدارة المرحلة السابقة؟
المطلوب أن تكون الإجابة في بناء المؤسسات لا في أسماء الأشخاص. فاستدامة النظام السياسي لا يجوز أن ترتبط بشخص واحد، بل بدستور ومؤسسات وانتخابات وفصل للسلطات وتداول سلمي للسلطة وآليات واضحة للمساءلة.
ومن هنا فإن أي انتقال سياسي مستقبلي ينبغي أن يكون جزءاً من عملية أوسع لإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني، لا مجرد تغيير في المواقع والأشخاص.
المستقبل الفلسطيني يبدأ من الداخل
الحوار يضع أمام الفلسطينيين فرصة لفتح صفحة جديدة، لكن تحويل هذه الفرصة إلى واقع يتطلب إرادة سياسية تتجاوز الحسابات الفصائلية.
المطلوب اليوم مصالحة تنهي الانقسام، وانتخابات تجدد الشرعية، وغزة تعود إلى إطارها الوطني، ومنظمة تحرير أكثر تمثيلاً، ومؤسسات دولة موحدة، وانتقال سياسي تحكمه القواعد الدستورية والقانونية لا ترتيبات الأشخاص.
فالقضية الفلسطينية تواجه احتلالاً واستيطاناً ومشروعاً يسعى إلى تغيير الوقائع على الأرض. وفي مواجهة ذلك، فإن الانقسام الداخلي لا يمكن أن يبقى حالة سياسية عادية.
إن رسالة حوار الرئيس عباس ينبغي أن تتحول إلى برنامج عمل وطني: من إدارة الانقسام إلى إنهائه، ومن الشرعيات المتعددة إلى شرعية واحدة، ومن الترتيبات المؤقتة إلى مؤسسات دائمة، ومن إدارة الأزمة إلى بناء الدولة.
وهذه ليست مسؤولية الرئيس أو فصيل بعينه، بل مسؤولية النظام السياسي الفلسطيني بكل مكوناته، ومسؤولية وطنية تجاه شعب يتطلع إلى الحرية والاستقلال وإقامة دولته الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية.