الانتخابات الفلسطينية.. عندما يصبح الحوار شرطًا للشرعية الجديدة
بقلم: المحامي علي أبوحبلة
الانتخابات الفلسطينية.. عندما يصبح الحوار شرطًا للشرعية الجديدة
بقلم: المحامي علي أبوحبلة
هل تقترب فلسطين فعلًا من استحقاق انتخابي يعيد تشكيل المشهد السياسي، أم أن الطريق إلى صناديق الاقتراع بات يمر عبر بوابة أوسع عنوانها الحوار الوطني وإعادة بناء النظام السياسي؟
السؤال لم يعد نظريًا. فقد حدد المرسوم الرئاسي يوم 28 تشرين الثاني/نوفمبر 2026 موعدًا للانتخابات التشريعية، وأعلنت لجنة الانتخابات المركزية الجدول الزمني والمراحل القانونية للعملية، مؤكدة المضي في التحضيرات الفنية والإدارية وفق الموعد المعلن.
وفي المقابل، أثارت تصريحات أمين سر اللجنة المركزية لحركة فتح جبريل الرجوب في أيلول/سبتمبر نقاشًا سياسيًا واسعًا، بعدما قال إن الظروف القائمة لا تسمح، من وجهة نظره، بإجراء الانتخابات في موعدها، ودعا إلى حوار وطني شامل يسبق استكمال العملية الانتخابية، رابطًا بين الانتخابات وإصلاح النظام السياسي وتجديد شرعيته.
لكن من المهم هنا التمييز بين الموقف السياسي المعلن وبين القرار القانوني النافذ. وحتى الآن، يبقى الموعد المعلن هو 28 تشرين الثاني، فيما تواصل لجنة الانتخابات استعداداتها ولم يصدر، بحسب ما هو منشور رسميًا، قرار بإلغاء الموعد أو تأجيله.
وهذه نقطة جوهرية؛ لأن الانتخابات ليست ملكًا لفصيل، كما أن الحوار الوطني ليس ملكًا لفصيل آخر. كلاهما شأن وطني عام، والاحتكام في النهاية يجب أن يكون للقانون ولإرادة الناخب الفلسطيني.
من انتخابات المقاعد إلى إعادة بناء النظام السياسي
المشكلة الفلسطينية لا تختصر في غياب الانتخابات طوال سنوات، وإنما تمتد إلى أزمة أعمق تتعلق بترميم النظام السياسي وتجديد شرعيته وتوحيد مؤسساته.
فالانتخابات التشريعية لا ينبغي أن تتحول إلى مجرد سباق على المقاعد، والانتخابات الرئاسية ليست مجرد تنافس على منصب، كما أن تجديد المجلس الوطني لا يمكن أن يُفصل عن سؤال تمثيل الفلسطينيين في الوطن والشتات ومكانة منظمة التحرير في النظام السياسي الفلسطيني.
واللافت أن اجتماع فصائل منظمة التحرير في 15 أيلول/سبتمبر بحث بالفعل الاستعدادات للانتخابات التشريعية وانتخابات المجلس الوطني، إلى جانب تعزيز دور منظمة التحرير وتوحيد الصف، مع طرح فكرة أن تشكل الانتخابات التشريعية جزءًا من عملية أوسع لتجديد مؤسسات منظمة التحرير.
وهذا التطور يفتح الباب أمام مقاربة أكثر شمولًا: الانتخابات ليست نهاية الإصلاح السياسي، وإنما إحدى أدواته الأساسية.
لا للتأجيل المفتوح.. ولا لانتخابات منفصلة عن التوافق
المعادلة المطلوبة ليست معقدة، لكنها تحتاج إلى إرادة سياسية واضحة.
فليس من مصلحة الحياة السياسية الفلسطينية أن يتحول الحوار الوطني إلى وسيلة لتأجيل الانتخابات إلى أجل غير مسمى، كما ليس من الحكمة التعامل مع الانتخابات باعتبارها إجراءً فنيًا منفصلًا عن القضايا السياسية الجوهرية التي ستحدد طبيعة المرحلة التالية.
والحل العملي يكمن في مسارين متوازيين:
استمرار التحضيرات الانتخابية وفق القانون والجدول الزمني المعلن، بالتوازي مع حوار وطني محدد المدة والموضوعات، يعالج القضايا التي تحتاج إلى تفاهم وطني حقيقي.
فإذا أمكن معالجة هذه القضايا قبل موعد الاقتراع، يكون الطريق قد أصبح أكثر وضوحًا. وإذا تعذر ذلك، فإن أي قرار يتعلق بالموعد يجب أن يكون واضحًا ومعلنًا ومبنيًا على أساس قانوني، لا أن يبقى المشهد رهين التصريحات والتسريبات والتكهنات.
ما الذي ينبغي أن يناقشه الحوار الوطني؟
الحوار المطلوب ليس مؤتمرًا لإلقاء الخطب أو إصدار البيانات، وإنما عملية سياسية لها جدول أعمال واضح ونتائج قابلة للتنفيذ.
ومن أبرز القضايا التي تستحق البحث:
أولًا: ضمان نزاهة الانتخابات وحياد الجهة المشرفة عليها، واحترام استقلال لجنة الانتخابات المركزية في أداء مهامها وفق القانون.
ثانيًا: ضمان الحريات العامة والحريات السياسية والإعلامية، وتمكين الناخب والمرشح من ممارسة حقوقه بعيدًا عن الضغوط أو الإقصاء.
ثالثًا: الاتفاق المسبق على قاعدة جوهرية: احترام نتائج الصندوق والاحتكام إلى القانون، أيًا كانت النتائج وأيًا كانت القوى التي تحققها.
رابعًا: بحث العلاقة بين الانتخابات التشريعية والانتخابات الرئاسية، بما يضمن وضوح التسلسل الدستوري والقانوني وعدم استخدام الاستحقاقات الانتخابية في إطار التجاذب السياسي.
خامسًا: استكمال مسار تجديد المجلس الوطني ومنظمة التحرير، بما يضمن أوسع تمثيل فلسطيني ممكن في إطار وطني جامع، ويعزز وحدة التمثيل السياسي للشعب الفلسطيني في أماكن وجوده كافة.
سادسًا: معالجة الانقسام وتوحيد المؤسسات والمرجعيات القانونية والإدارية، لأن تجديد الشرعية لا يكتمل بصندوق اقتراع إذا بقيت المؤسسات السياسية منقسمة.
سابعًا: إشراك القوى السياسية والاجتماعية والشخصيات المستقلة والشباب والمرأة والمجتمع المدني في الحوار، بما يمنع اختزال المشهد الفلسطيني في القوى التقليدية وحدها.
التوصيات: طريق عملي للخروج من المأزق
أمام القوى السياسية الفلسطينية، من مختلف الاتجاهات، مسؤولية تاريخية في هذه المرحلة، ويمكن بلورة عدد من التوصيات العملية:
الدعوة إلى حوار وطني شامل ومحدد السقف الزمني، لا يتحول إلى مسار مفتوح بلا نهاية.
عدم وقف الاستعدادات الانتخابية أثناء الحوار، بحيث يستمر العمل الفني والقانوني بالتوازي مع المسار السياسي.
إعلان قواعد واضحة للحوار، وفي مقدمتها احترام القانون، والتعددية، والحريات العامة، ورفض الإقصاء السياسي.
التوافق على ميثاق سياسي وأخلاقي انتخابي تتعهد بموجبه القوى السياسية باحترام نتائج الانتخابات والاحتكام إلى المؤسسات القانونية.
تحييد لجنة الانتخابات المركزية عن التجاذبات السياسية، وتمكينها من أداء مهمتها باستقلالية ومهنية، وهو ما أكدت اللجنة أنها تعمل عليه في استعداداتها للانتخابات.
معالجة قضية غزة والقدس والضفة الغربية باعتبارها جزءًا من شمول العملية الانتخابية، وليس باعتبارها ملفات منفصلة يمكن تجاوزها سياسيًا.
استكمال إعادة بناء منظمة التحرير ومؤسساتها على قاعدة المشاركة والتمثيل، بحيث يتكامل المجلس التشريعي مع الإطار الوطني الجامع ولا يصبح بديلًا عنه.
وضع جدول زمني واضح للإصلاح السياسي، بحيث لا يبقى شعار الإصلاح عامًا، بل يتحول إلى خطوات ومسؤوليات ومواعيد محددة.
أن تكون الرعاية العربية، ولا سيما المصرية والأردنية، عامل مساعدة وتقريب بين الفلسطينيين، لا بديلًا عن القرار الوطني الفلسطيني المستقل.
إنشاء مرجعية توافقية لمتابعة تنفيذ مخرجات الحوار، على أن تكون مهمتها المتابعة والتنسيق لا الحلول محل المؤسسات الدستورية والقانونية.
بين الشرعية الانتخابية والشرعية الوطنية
المعادلة الفلسطينية تحتاج إلى قدر كبير من الواقعية السياسية.
فالشرعية لا تُبنى بالحوار وحده، كما لا تُبنى بالانتخابات وحدها.
الحوار يمنح العملية السياسية قاعدة توافقية، والانتخابات تمنح المؤسسات شرعية شعبية متجددة، والقانون يحدد الإطار الناظم، واحترام النتائج يحمي الديمقراطية من التحول إلى مجرد إجراء شكلي.
ومن هنا، فإن التحدي الحقيقي ليس في تحديد أيهما يأتي أولًا: الحوار أم الانتخابات، وإنما في منع تعارض المسارين وتحويلهما إلى عملية واحدة متكاملة.
لقد أعلنت لجنة الانتخابات استعدادها للمضي في الاستحقاق الانتخابي، بينما تطرح قوى سياسية الحاجة إلى حوار يسبق استكمال العملية.
والفاصل بين الموقفين يمكن أن يكون حوارًا جادًا وسريعًا لا يلغي الانتخابات ولا يقفز فوق الضرورات السياسية.
الخاتمة: الشعب صاحب الكلمة الأخيرة
فلسطين اليوم أمام اختبار يتجاوز موعد 28 تشرين الثاني.
إنه اختبار القدرة على الانتقال من إدارة الأزمة إلى بناء نظام سياسي أكثر استقرارًا، ومن التنافس على الشرعية إلى تجديدها، ومن الانقسام إلى الشراكة، ومن البيانات السياسية إلى المؤسسات الفاعلة.
ولهذا لا ينبغي أن يتحول سؤال الانتخابات إلى معركة بين من يريد إجراءها ومن يريد تأجيلها، ولا أن يتحول الحوار إلى أداة لتعطيل الاستحقاق، كما لا ينبغي أن تصبح الانتخابات وسيلة لإعادة إنتاج الانقسام بصيغة جديدة.
المطلوب هو طريق ثالث واضح: حوار وطني شامل، سريع، محدد الأهداف والمدة، يجري بالتوازي مع استمرار التحضير الانتخابي، وصولًا إلى انتخابات حرة ونزيهة وشاملة، واحترام كامل لنتائجها.
فالشعب الفلسطيني هو صاحب الحق الأصيل في اختيار ممثليه، والقانون هو المرجعية في تنظيم العملية، والحوار الوطني هو الوسيلة لمعالجة القضايا التي لا يكفي الصندوق وحده لحسمها.
أما منظمة التحرير، والمؤسسات الوطنية، والانتخابات التشريعية والرئاسية والمجلس الوطني، فينبغي أن تُقرأ جميعها ضمن هدف واحد: إعادة بناء الشرعية الفلسطينية على أساس المشاركة والتعددية ووحدة المؤسسات واحترام إرادة الشعب.
فلسطين لا تحتاج إلى انتخابات من أجل الانتخابات، ولا إلى حوار من أجل الحوار.
هي تحتاج إلى حوار يفتح الطريق أمام انتخابات، وانتخابات تجدد الشرعية، وشرعية تحمي التعددية، ومؤسسات تحترم القانون، ونظام سياسي يعيد بناء الثقة بين المواطن ومؤسساته.
وعندما يصبح الحوار جسرًا إلى صندوق الاقتراع، ويصبح الصندوق طريقًا إلى تجديد الشرعية، ويصبح احترام النتائج قاعدة ثابتة للجميع، عندها فقط يمكن القول إن الانتخابات لم تعد مجرد استحقاق انتخابي، بل أصبحت مدخلًا إلى مرحلة جديدة من إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني



