“النفط والغاز في مرمى الصراع: هل تقترب المنطقة من حرب طاقة شاملة؟”

المحامي علي أبو حبلة

مارس 18, 2026 - 16:59
“النفط والغاز في مرمى الصراع: هل تقترب المنطقة من حرب طاقة شاملة؟”

“النفط والغاز في مرمى الصراع: هل تقترب المنطقة من حرب طاقة شاملة؟”
المحامي علي أبو حبلة
في خضم التصعيد المتسارع بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، تبرز ملامح تحول نوعي في طبيعة الصراع، يتجاوز الأبعاد العسكرية التقليدية نحو استهداف مفاصل الاقتصاد، وعلى رأسها قطاع الطاقة. هذا التحول يطرح تساؤلات استراتيجية عميقة حول ما إذا كانت المنطقة تقترب من نموذج "سياسة الأرض المحروقة"، أم أنها لا تزال ضمن حدود التصعيد المحسوب.
من المواجهة العسكرية إلى استهداف عصب الاقتصاد
لم تعد المواجهة تقتصر على ضرب المنشآت العسكرية أو المرتبطة بالبرامج النووية، بل بدأت تتسع لتشمل تهديدات مباشرة وغير مباشرة لمنشآت النفط والغاز، وخطوط الإمداد الحيوية. هذا التحول يعكس إدراكاً متزايداً لدى أطراف الصراع بأن الحسم العسكري التقليدي بات محدود الجدوى، وأن الضغط الاقتصادي قد يكون أكثر تأثيراً في تغيير موازين القوى.
وفي هذا السياق، يغدو قطاع الطاقة أداة مركزية في إدارة الصراع، ليس فقط باعتباره مورداً اقتصادياً، بل كوسيلة ردع استراتيجية تحمل في طياتها رسائل سياسية وأمنية تتجاوز حدود الإقليم.
الخليج في دائرة الاستهداف: معادلة النفط مقابل الأمن
يشكل الخليج العربي القلب النابض لإمدادات الطاقة العالمية، ما يجعله في صلب أي تصعيد يستهدف هذا القطاع. فالدول الخليجية، بما تمتلكه من بنى تحتية نفطية وغازية متقدمة، تجد نفسها أمام معادلة معقدة: الحفاظ على استقرار الإنتاج والتصدير، في مقابل مخاطر الانجرار إلى تداعيات الصراع.
إن أي استهداف مباشر أو غير مباشر لمنشآت النفط والغاز في الخليج، أو تهديد للممرات البحرية الحيوية، وعلى رأسها مضيق هرمز، لن يقتصر أثره على الدول المنتجة، بل سيمتد إلى الأسواق العالمية، محدثاً اضطرابات حادة في الأسعار، وضغوطاً اقتصادية على الدول المستوردة، ومنها الأردن.
كما أن تصعيداً من هذا النوع قد يدفع دول الخليج إلى إعادة تقييم استراتيجياتها الأمنية والاقتصادية، وتعزيز منظومات الحماية للبنية التحتية الحيوية، في ظل بيئة إقليمية تتسم بدرجة عالية من عدم اليقين.
إسرائيل وغاز شرق المتوسط: مكاسب مهددة ومسارات محفوفة بالمخاطر
في المقابل، برزت إسرائيل خلال السنوات الأخيرة كلاعب مؤثر في سوق الغاز في شرق المتوسط، معتمدة على تطوير حقولها البحرية وخطط التصدير الإقليمي. غير أن هذا الصعود يظل هشاً في ظل تصاعد التوترات.
فاستهداف منشآت الغاز أو البنية التحتية المرتبطة بها، سواء بشكل مباشر أو عبر تهديدات أمنية، من شأنه أن يقوض هذه المكاسب، ويعيد رسم خريطة الطاقة في شرق المتوسط. كما أن انخراط إسرائيل في تصعيد يستهدف قطاع الطاقة الإيراني قد يفتح الباب أمام ردود مقابلة تطال مصالحها الحيوية.
وعليه، فإن معادلة "الردع المتبادل" في مجال الطاقة لا تقتصر على الخليج، بل تمتد لتشمل شرق المتوسط، بما يحمله ذلك من تعقيدات إضافية لمسار الصراع.
الأبعاد القانونية: استهداف الطاقة بين المشروعية والانتهاك
يثير استهداف منشآت النفط والغاز إشكاليات قانونية في إطار القانون الدولي الإنساني، حيث تُصنّف هذه المنشآت، في الأصل، ضمن الأعيان المدنية المحمية. ولا يجوز استهدافها إلا في حال استخدامها لأغراض عسكرية مباشرة، وبما يتوافق مع مبدأي التمييز والتناسب.
غير أن التوسع في استهداف هذه المنشآت، خاصة إذا أدى إلى أضرار واسعة النطاق تمس المدنيين أو البيئة، قد يشكل انتهاكاً جسيماً للقانون الدولي، ويعرض الأطراف المعنية للمساءلة القانونية، فضلاً عن تداعياته الإنسانية والاقتصادية.
تداعيات اقتصادية واجتماعية عابرة للحدود
إن أي اضطراب في إمدادات الطاقة، سواء في الخليج أو شرق المتوسط، سينعكس بشكل مباشر على الاقتصاد العالمي، من خلال ارتفاع أسعار النفط والغاز، وزيادة كلفة النقل والإنتاج.
وفي السياق العربي، بما في ذلك الأردن، فإن هذه التطورات ستفرض تحديات إضافية، تتعلق بارتفاع كلفة الطاقة، وانعكاساتها على الأسعار ومستويات المعيشة، ما يستدعي سياسات اقتصادية مرنة قادرة على امتصاص الصدمات.
كما أن استمرار حالة عدم الاستقرار قد يؤثر على مناخ الاستثمار، ويزيد من معدلات القلق الاجتماعي، في ظل ارتباط وثيق بين الاستقرار الاقتصادي والأمن المجتمعي.
مسار الحرب: بين التصعيد والانزلاق
تشير المعطيات الراهنة إلى أن الصراع يسير ضمن مسار "التصعيد المضبوط"، حيث تحاول الأطراف استخدام أدوات الضغط الاقتصادي، بما فيها التلويح باستهداف الطاقة، دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة.
إلا أن هذا المسار يبقى هشاً، إذ إن أي خطأ في التقدير، أو استهداف واسع النطاق لمنشآت الطاقة، قد يدفع نحو مرحلة جديدة من الصراع، تتسم بطابع أكثر خطورة، وربما تقترب من نموذج "الأرض المحروقة"، حيث تتسع دائرة الاستهداف لتشمل البنية الاقتصادية بشكل منهجي.
وخلاصة القول إن استهداف قطاع الطاقة في الصراع الدائر يمثل نقطة تحول استراتيجية، تنذر بإعادة تشكيل موازين القوى في المنطقة، وتوسيع نطاق التداعيات ليشمل الاقتصاد العالمي.
ورغم أن الأطراف لم تنخرط بعد في سياسة الأرض المحروقة بشكل كامل، إلا أن الاقتراب من هذا السيناريو يفرض على المجتمع الدولي، ودول المنطقة، العمل على احتواء التصعيد، وتفعيل أدوات القانون الدولي، لتجنب الانزلاق نحو مواجهة مفتوحة، ستكون كلفتها باهظة على الجميع دون استثناء.
في ظل هذا المشهد، تبقى الحكمة السياسية، والتوازن بين الردع والاحتواء، العامل الحاسم في رسم ملامح المرحلة المقبلة، إما نحو مزيد من التصعيد، أو باتجاه إعادة فتح نوافذ الحلول الدبلوماسية.