لاءات عُمان ... هي ما بقي من لاءات العرب

أمين الحاج

مارس 13, 2026 - 22:49
لاءات عُمان ... هي ما بقي من لاءات العرب

أمين الحاج

في هذا الزمن العربي المليء بالانحناءات السياسية، خرجت عُمان لتقول ببساطة ما عجزت عنه عواصم كبرى، فالدولة التي اتهمت طويلا بالحياد أصبحت فجأة أكثر وضوحا من دول كانت ترفع الشعارات، فلا عجب، انها بعض من مفارقات الشرق الأوسط التي لا تنتهي.

في لحظة تتسع فيها المواجهة مع ايران وتصبح عنوانا مركزيا لإعادة ترتيب الشرق الاوسط، برز الموقف العماني على نحو لافت، ليس بيانا دبلوماسيا عابرا بل سلسلة مواقف واضحة اعلنها وزير خارجيتها بدر البوسعيدي: لن ننضم الى ما يسمى مجلس السلام، ولن نطبع، ولن نقدم دعما للعدوان على ايران.


يوم تراجعت لاءات العرب القديمة، كانت مسقط تعيد انتاجها بشكل مختلف، اقل صخبا لكنه اكثر ثباتا، الدولة التي طالما وصفت بانها الاكثر براغماتية وهدوء في الخليج، لم تبن سياستها على الشعارات او خطابات المواجهة، بل على التوازن لكنها في لحظة مصيرية اختارت ان تقول لاءات ثلاثة، لا للعدوان على ايران، لا للانخراط في تحالفات اقليمية موجهة ولا للتطبيع في ظل استمرار الاحتلال وغياب الدولة الفلسطينية.


بهذا المعنى لا يمثل هذا الموقف خروجا عن سياستها التقليدية بقدر ما هو امتداد منطقي لها، فقراءتها للحرب مختلفة عن تلك السائدة في العواصم العربية، فلا تتعلق بالبرنامج النووي الايراني فقط، بل باعادة تشكيل المنطقة وتوازناتها السياسية، وهو تفسير يضع العدوان في سياقه الجيوسياسي الاوسع، صراع على النفوذ وشكل النظام الاقليمي وموقع القضية الفلسطينية داخله، اي ان مسقط ترى ما وراء الأكمة، فليست قضية برنامج نووي بقدر ما هي محاولة لتفكيك محور سياسي كامل والدفع باتجاه تسوية اقليمية يكون التطبيع عمودها الرئيس مقابل لا شيء تقريبا.

موقف يأتي في وقت تبدو فيه البيئة العربية الرسمية في حالة تفكك غير مسبوق، جامعتهم اصبحت اطارا شكليا غير قادر على انتاج مواقف مشتركة، ومجلس التعاون الخليجي يعاني انقسامات عميقة، ما قاد الى ظهور سياسات فردية لكل دولة، بعضها اختار التحالف الكامل مع واشنطن، واخرى ذهبت بعيدا في مسار التطبيع وثالثة فضلت الحياد، بينما كان الموقف العماني محاولة للحفاظ على مساحة استقلال سياسي، يدرك ان الانخراط في حرب اقليمية واسعة لن يؤدي الى استقرار الخليج، بل على العكس تماما، ومواجهة مباشرة مع ايران تعني فتح جبهة خطيرة في الخليج وما البعد الاقتصادي سوى جزء يسير منها.

تاريخيا، اظهرت التجارب ان الحروب التي اشعلت لاعادة تشكيل الشرق الاوسط انتهت عكسيا، فالعدوان على العراق انتهى بفوضى اقليمية، وسوريا تحولت الى ساحة صراع دولي، والعدوان المتكرر على غزة ولبنان لم يحقق امنا ولا استقرارا، لذا تبدو مسقط اكثر حذرا، فلا تنطلق من تعاطف سياسي مع ايران بقدر ادراكها لمخاطر انهيار التوازن الاقليمي الذي سيفتح ابواب فوضى لا يمكن السيطرة عليها، فقدمت خيار الدبلوماسية، وتبنته لعقود ولعبت دور الوسيط بين اطراف متصارعة، من واشنطن وطهران الى اليمن، وحتى اليوم حافظت على مسافة من صراعات حادة ما سمح لها بان تكون قناة اتصال بين خصوم لا يتحدثون مباشرة.

سياسة مسقط التي تقوم على رفض التطبيع في هذه اللحظة تحديدا ورفض الانخراط في تحالفات عسكرية ضد ايران، يعني عمليا الوقوف خارج المسار الذي تدفع به واشنطن وتل ابيب لاعادة ترتيب المنطقة، وهنا تظهر المفارقة التي قد لا تعجب كثيرين، فالدولة التي اتهمت سابقا بانها الاكثر مرونة في علاقاتها الاقليمية اصبحت اليوم من القلائل الذين يضعون حدودا واضحة لما يمكن قبوله وما لا يمكن قبوله.

لذا يمكن القول ان لاءات عمان ليست مجرد موقف سياسي عابر، بل تعبير عن فكرة اوسع، وهي ان المنطقة لا تحتاج الى حرب جديدة، بل الى اعادة بناء التوازنات التي تمنع الانفجار الكبير، وفي زمن اختفت فيه لاءات العرب القديمة، كانت اللاءات القادمة من مسقط تذكيرا بسيطا بان السياسة ليست دائما سباقا نحو الاصطفاف، بل احيانا في فن الوقوف خارج القطيع.