الإضراب التجاري وخطر الانزلاق إلى الفوضى: قراءة استراتيجية في سياسة الخنق الاقتصادي الإسرائيلية

اعداد وتقرير المحامي علي ابوحبله

فبراير 4, 2026 - 08:43
الإضراب التجاري وخطر الانزلاق إلى الفوضى: قراءة استراتيجية في سياسة الخنق الاقتصادي الإسرائيلية

الإضراب التجاري وخطر الانزلاق إلى الفوضى: قراءة استراتيجية في سياسة الخنق الاقتصادي الإسرائيلية

اعداد وتقرير المحامي علي ابوحبله 

في ظل اشتداد الأزمة الاقتصادية التي تعصف بالمجتمع الفلسطيني، تتكاثر الدعوات إلى الإضراب التجاري كأداة احتجاج على تدهور الأوضاع المعيشية. غير أن القراءة الاستراتيجية المتأنية تكشف أن هذه الدعوات، في هذا التوقيت تحديداً، قد تحمل مخاطر تفوق مكاسبها، وقد تصب – بقصد أو دون قصد – في سياق أوسع من المخطط الإسرائيلي الهادف إلى تفكيك الجبهة الداخلية الفلسطينية ودفعها نحو الفوضى.
أولاً: الخنق الاقتصادي كأداة صراع سياسي
لم تعد السياسات الاقتصادية الإسرائيلية تجاه الأراضي الفلسطينية مجرّد إجراءات إدارية أو أمنية معزولة، بل تحولت إلى أداة مركزية في إدارة الصراع. فسياسة إغلاق المدن، وتقطيع أوصال الضفة الغربية، والتحكم بالمعابر، واحتجاز أموال المقاصة، وتقييد الحركة التجارية، كلها تشكّل منظومة متكاملة تستهدف إضعاف قدرة المجتمع الفلسطيني على الصمود.
وتندرج هذه السياسات ضمن رؤية يقودها الجناح الأكثر تطرفاً في حكومة الاحتلال، والتي تقوم على مبدأ “إدارة الفوضى” بدلاً من البحث عن حلول سياسية، عبر دفع الفلسطينيين إلى حالة إنهاك اقتصادي واجتماعي تُنتج توترات داخلية وصدامات مجتمعية، تُستخدم لاحقاً لتبرير مزيد من القمع والتدخل الأمني.
ثانياً: الإضراب التجاري… أداة ضغط أم استجابة معاكسة؟
من منظور اقتصادي-استراتيجي، فإن الإضراب التجاري في اقتصاد هش، محدود الموارد، وخاضع للاحتلال، لا يملك ذات الفاعلية التي قد يحققها في اقتصادات مستقلة. بل على العكس، فإن تعطيل النشاط التجاري:
يفاقم حالة الركود.
يضر بالتاجر والعامل والمستهلك في آن واحد.
يضعف القدرة على الصمود اليومي.
يفتح الباب أمام فوضى اقتصادية واجتماعية تخدم رواية الاحتلال.
وفي هذا السياق، يصبح الإضراب غير المنظّم رد فعل انفعالي أكثر منه أداة ضغط مدروسة، ويهدد بتفكيك ما تبقى من منظومة الاستقرار المجتمعي.
ثالثاً: البعد القانوني… العقاب الجماعي المحظور دولياً
من الزاوية القانونية، فإن ما يتعرض له الاقتصاد الفلسطيني يندرج ضمن مفهوم العقاب الجماعي المحظور بموجب القانون الدولي الإنساني، ولا سيما اتفاقية جنيف الرابعة، التي تحظر استهداف السكان المدنيين في معيشتهم وأرزاقهم.
غير أن مواجهة هذا الانتهاك لا تكون عبر إضعاف الجبهة الداخلية، بل عبر:
توثيق الأضرار الاقتصادية.
بناء ملفات قانونية قابلة للمساءلة الدولية.
تعزيز صمود المجتمع كعنصر قوة قانونية وأخلاقية في أي مسار مساءلة.
فالفوضى الداخلية تُضعف الموقف القانوني الفلسطيني، بينما الاستقرار والصمود يعززان مشروعية المطالب الفلسطينية أمام المجتمع الدولي.
رابعاً: الفوضى كهدف استراتيجي للاحتلال
تُظهر التجربة التاريخية أن الاحتلال يسعى دائماً إلى نقل الصراع من كونه صراع تحرر وطني مع قوة احتلال، إلى صراع داخلي فلسطيني-فلسطيني. ومن هنا، فإن أي حالة شلل اقتصادي أو اضطراب اجتماعي تُعد بيئة مثالية لتغذية هذا التحول الخطير.
وتحذّر قراءات استراتيجية من أن الانزلاق نحو الفوضى الاقتصادية قد يتحول إلى:
توتر اجتماعي.
احتقان شعبي غير موجّه.
فقدان الثقة بالمؤسسات. وهي كلها نتائج تصب في مصلحة المشروع الاستيطاني والتوسعي.
خامساً: البديل الاستراتيجي – الصمود ووحدة الصف
في مواجهة هذا الواقع، تبرز الحاجة إلى خطة إنقاذ وطنية شاملة تقوم على:
إدارة الأزمة لا تعطيل الحياة.
دعم القطاعات المتضررة بخطط طوارئ.
تعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص.
الحفاظ على دوران العجلة الاقتصادية كخيار صمود.
توحيد الخطاب الوطني في مواجهة سياسات الخنق والفوضى.
فالصمود الاقتصادي ليس خياراً تقنياً، بل خيار وطني بامتياز، يشكّل خط الدفاع الأول في مواجهة سياسات الإفقار والتفكيك.

ونختم بالقول إن المرحلة الراهنة تتطلب وعياً وطنياً عميقاً، يميّز بين الاحتجاج المشروع، وبين الوقوع في فخ الفوضى التي يخطط لها الاحتلال. فإفشال سياسة الخنق الاقتصادي لا يكون بإضعاف المجتمع من الداخل، بل بتماسكه، ووحدة صفه، وقدرته على تحويل المعاناة إلى عنصر قوة في معركة الصمود والحقوق.
المحامي علي أبو حبلة
باحث في القانون الدولي ومحلل سياسي 
رئيس تحرير صحيفة صوت العروبة