يوسف «زوزو» حبش ... من العمل الوطني والمُجتمعي إلى الدبلوماسية الشعبية وفضاء التضامن الدولي .
يوسف «زوزو» حبش ... من العمل الوطني والمُجتمعي إلى الدبلوماسية الشعبية وفضاء التضامن الدولي .
* د. مروان إميل طوباسي .
ثمة أشخاص لا تختصرهم سيرة ذاتية، ولا تنتهي حكايتهم برحيلهم، لأنهم يتركون في حياة الناس والمؤسسات والوطن أثراً يتجاوز حضورهم الشخصي. ومن هؤلاء كان المناضل الوطني والتقدمي يوسف خضر حبش «زوزو»، الذي رحل عنا في بلجيكا ، تاركاً إرثاً من العطاء والعلاقات الإنسانية والمواقف الوطنية ، يستحق أن نستعيده وفاءً لذكراه ، واستخلاصاً لما تحمله تجربته من قيم ودروس.
عرفت يوسف حبش منذ عقود طويلة، وجمعتنا محطات من التعاون والعمل المشترك ، بدأت قبل واستمرت بعد اعتقاله في زنازين الأحتلال وإبعاده القسري عن الوطن ، في ميادين النشاط والتعاون الرياضي والكشفي والمجتمعي بين سرية رام الله الأولى والنادي الأرثوذكسي بالمدينة . وكانت تلك المؤسسات فضاءات للعمل التطوعي والتفاعل الاجتماعي ، ومن اجل تعزيز الهوية الوطنية وروح الانتماء الجماعي في مواجهة ظروف الأحتلال ومن ثم في تكريس مفاهيم العمل المُجتمعي والوطنية الديمقراطية .
وفي تلك المرحلة ، كان للحركة الطلابية الفلسطينية دور أساسي في تنمية الوعي الوطني وإعداد أجيال من المناضلين والكوادر المجتمعية ، وكان "زوزو" من الناشطين فيها ، ممن جمعوا بين الالتزام السياسي والعمل الطلابي النقابي والإجتماعي التقدمي . وقد برزت شخصيته بقدرته على جمع الناس وبناء علاقات تقوم على الثقة والأحترام والتعاون ، بعيداً عن الحسابات الشخصية والفئوية .
كما جمعتني مع يوسف محطات من العمل في إطار المؤتمر العربي الأرثوذكسي ، دفاعاً عن عروبة الكنيسة الأرثوذكسية وحماية أوقافها وممتلكاتها من التسريب والتفريط . وكان "زوزو" مدركاً أن هذه القضية ليست شأناً كنسياً ضيقاً ، بل قضية وطنية تتصل بالهوية العربية الفلسطينية وبحماية الأرض والحقوق التاريخية ، وبالدور الوطني للمؤسسات الدينية والأجتماعية في مجتمعنا .
وأمتد اهتمامه بالعمل المجتمعي إلى مجال الرعاية الصحية ، من خلال دوره بمؤسساتها الطوعية ، وإيمانه بأهمية المؤسسات الأهلية في توفير الخدمات وتعزيز صمود المواطنين ، خاصة في المناطق المهمشة . وأستذكر هنا مساهمته في الجهود المتعلقة بتأسيس مشروع مستشفى في محافظة طوباس ، خلال فترة عملي محافظاً لطوباس والأغوار الشمالية ، في إطار رؤية لتعزيز البنية الصحية والخدمات العامة في محافظة ذات أهمية وطنية وجغرافية خاصة ، عانت طويلاً من نقص المرافق الصحية .
لقد جمعنا في تلك التجارب إيمان مشترك بأن النضال الوطني لا ينفصل عن العمل الاجتماعي والتنموي المقاوم ، وأن تعزيز صمود الناس على أرضهم يتطلب بناء المؤسسات وتوفير مقومات الحياة الكريمة ، إلى جانب النضال السياسي من أجل الحرية والأستقلال الوطني والعودة .
أما الإبعاد القسري عن الوطن ، رغم ما شكله من جرح في وجدانه ، إلا انه لم يوقف دور "زوزو" الوطني ، بل فتح أمامه ساحة أخرى للعمل والعطاء . ففي أوروبا التي استقر وتزوج بباريس منها ، نسج علاقات مميزة مع الأحزاب اليسارية والتقدمية والحركات الاجتماعية والنقابية ، وكان حاضراً في المنتديات والفعاليات التضامنية مع الشعب الفلسطيني ، بل ومبادراً إلى تنظيم بعضها، مدركاً أهمية التضامن الأممي في مواجهة الأحتلال الاستعماري .
وخلال عملي سفيراً لفلسطين لدى اليونان ، زارني "زوزو" مرات عدة في أثينا للمشاركة في منتديات ولقاءات نظمتها قوى يسارية وتقدمية أوروبية . وقد لمست عن قرب طبيعة علاقاته مع تلك الأوساط ، وما كان يحظى به من احترام وثقة ، وقدرته على التواصل مع قيادات سياسية وحزبية وناشطين أوروبيين ، انطلاقاً من قناعاته الوطنية والتقدمية وشخصيته المبادرة والإنسانية المنفتحة .
لم يكن يوسف مجرد مشارك في تلك اللقاءات ، بل أحد الذين أسهموا في بناء جسور مستمرة بين فلسطين والقوى الديمقراطية والتقدمية الأوروبية . فقد أدرك أن كسب التضامن لا يتحقق بالمواقف والعلاقات الرسمية وحدها ، بل بالعمل المتراكم داخل المجتمعات والأحزاب والنقابات والمؤسسات الأهلية ، وبربط القضية الفلسطينية بقيم الحرية والعدالة وحقوق الشعوب في تقرير مصيرها .
ومن هنا ، كان "زوزو حبش" بحق سفيراً شعبياً لفلسطين فوق العادة ، بلا أوراق اعتماد رسمية ، لكنه امتلك من العلاقات والمصداقية والالتزام ما جعله حاضراً ومؤثراً في ساحات التضامن الأوروبي اكثر من بعض الذين حملوا تلك الصفة الرسمية .
وقد ساهم "زوزو" ، إلى جانب أجيال من المناضلين الفلسطينيين وأصدقاء فلسطين في أوروبا ، في تراكم الوعي بالقضية التحررية الفلسطينية وتعزيز حضورها داخل الأوساط اليسارية والتقدمية . وهو جهد طويل الأمد نلمس اليوم بعض ثماره في اتساع حركات التضامن الشعبي الأوروبي ، وتنامي الأصوات المطالبة بإنهاء الأحتلال ومساءلة السياسات الرسمية الأوروبية التي تواصل دعمه .
إن ما يميز تجربة "زوزو" ، كما عرفته ، هو الترابط بين ميادين العمل المختلفة . فمن الحركة الطلابية والمؤسسات الرياضية والكشفية ، إلى العمل الصحي والدفاع عن عروبة الكنيسة الأرثوذكسية وأوقافها ، وصولاً إلى المنتديات السياسية الأوروبية ، والعمل في مجال الصحافة وحقوق الانسان ، بقي الإنسان الفلسطيني وكرامته وحقوقه محور اهتمامه . ولم يفصل يوماً بين الانتماء الوطني والقيم التقدمية والعدالة الاجتماعية والتضامن الإنساني .
ولعل كثرة المؤسسات والأصدقاء والرفاق الذين نعوه تعكس اتساع أثره ومكانته ، وتؤكد أن القيمة الحقيقية للإنسان لا تقاس بالمناصب او المواقع التي شغلها ، بل بما قدمه للناس وما تركه من محبة وثقة في وجدانهم .
وبرحيله ، نستذكر جيلاً من المناضلين الذين أسهموا في بناء المؤسسات الأهلية وشبكات التضامن الدولية، وهي تجارب تستحق التوثيق والحفاظ عليها ونقلها إلى الأجيال الجديدة، خاصة في مرحلة يحتاج فيها شعبنا إلى استعادة قوة العمل الشعبي والتطوعي والتضامن الأممي .
وداعاً يا "زوزو" ، يا صديقاً ورفيقاً جمعتني به محطات من العمل الوطني والإجتماعي والإنساني والأممي ، من رام الله وطوباس إلى أثينا وباريس وبروكسل وساحات التضامن الأوروبي .
ستبقى ذكراك مرتبطة بما قدمته من عطاء ، وما تركته من علاقات صادقة ، وبإيمانك العميق بفلسطين ، الأرض والإنسان .
سلام لروحك ، ووفاء لمسيرتك ، وأصدق العزاء لعائلتك ورفاقك ومحبيك ، ولتبقى فلسطين التي أحببت حاضرة في ضمير كل من عرفك وعمل معك .
* عضو المجلس الأستشاري لحركة "فتح".



