المخابرات المركزية الأمريكية تحذر: إسرائيل قد تواجه خطر حرب أهلية أو انهيار الدولة

اللواء أحمد عيسى باحث متخصص في دراسات الأمن ىالقومي الفلسطيني والإسرائيلي

أكتوبر 14, 2026 - 16:57
المخابرات المركزية الأمريكية تحذر: إسرائيل قد تواجه خطر حرب أهلية أو انهيار الدولة

نشر موقع "دروب سايت نيوز" دروب سايت نيوز" الأمريكي، بالتعاون مع موقع كابيتال آند إمباير، بتاريخ 5 أكتوبر/تشرين الأول 2026، مقالاً للكاتبة أيدا تشافيز بعنوان: "تقرير للـCIA: إسرائيل قد تتجه إلى حرب أهلية وانهيار كامل".
وفيما يلي ترجمة متن المقال، ثم قراءتي وتعليقي وتحليلي. وفي البداية، سأعرّف بالكاتبة وموقعي "دروب سايت نيوز" وكابيتال آند إمباير.
يميل موقع "دروب سايت نيوز" تحريرياً إلى اليسار الأمريكي، ويتبنى نهجاً نقدياً واضحاً للسياسة الخارجية الأمريكية والحروب، وينشر دائماً تحقيقات شديدة النقد لإسرائيل، لا سيما بشأن الحرب على غزة.
أما موقع كابيتال آند إمباير، فيُعدّ من مواقع الصحافة الاستقصائية والتحليل السياسي المستقل، ويتبنى بوضوح موقفاً نقدياً من الإمبراطورية الأمريكية وسياساتها العسكرية والخارجية.
أما الكاتبة أيدا تشافيز (Aida Chavez)، فهي مؤسسة موقع كابيتال آند إمباير ورئيسة تحريره، وعملت سابقاً مراسلة لصحيفة The Nation، كما عملت لدى موقع The Intercept.
وينبغي التوضيح ابتداءً أن التقرير استند إلى مصدرين أمريكيين رفضا الكشف عن هويتيهما، كما لم تردّ وكالة المخابرات المركزية الأمريكية (CIA) على طلب التعليق. وكان لافتاً أن الوكالة لم تنفِ ما ورد في التقرير، رغم إعادة نشره من قبل صحف ومواقع عالمية كبرى، بما فيها صحف إسرائيلية.
كما ينبغي شرح المقصود بمصطلح "الخلية الحمراء" (Red Team) في التحليل الاستراتيجي وعالم صناعة الاستخبارات، إذ يعني هذا المصطلح اختبار التقديرات السائدة من خلال تبني وجهة نظر الخصم، والبحث عن نقاط الضعف التي يغفلها صانع القرار.
الأمر الذي يعني أنه إذا كان المقصود تقييم إسرائيل وفق منهجية الخلية الحمراء، فإن السؤال لا يقف عند الإجابة عن سؤال: ما نقاط ضعف إسرائيل؟ بل يشمل أيضاً سؤالين آخرين: ما الذي يجعل إسرائيل أكثر قدرة على الصمود مما يتوقع الخصم؟ وأين يمكن أن تفشل قوة إسرائيل العسكرية في تحقيق أهداف سياسية؟
ولمزيد من التوضيح، يمكن تلخيص كيفية عمل الخلية الحمراء في أربع خطوات:
1.    تحديد الافتراض السائد: مثلاً، إسرائيل قادرة على امتصاص أعباء الحروب المتعددة والطويلة من دون أن تتعرض بنيتها الداخلية لاهتزاز خطير.
2.    تحدي الافتراض أعلاه من خلال البحث عن الأدلة المضادة: مثل الاستقطاب السياسي، وأزمة تجنيد الحريديم، والأعباء الاقتصادية، وتراجع الثقة بمؤسسات الدولة، والعزلة الدولية، واتساع الفجوة مع الجاليات اليهودية حول العالم، واتساع الفجوة مع البيت الأبيض، وغيرها.
3.    بناء سيناريو مضاد: ماذا لو تفاعلت هذه العوامل معاً وأنتجت أزمة أعمق مما تتوقعه التقديرات الرسمية؟
4.    تطوير مؤشرات إنذار مبكر: ما التطورات التي يجب مراقبتها لمعرفة أن السيناريو المضاد قد بدأ يتحقق؟

ملخص تقرير "دروب سايت نيوز"
يحذّر تقييم سري لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية من أن إسرائيل تواجه خطر حرب أهلية أو انهيار الدولة، بعدما عمّقت سنوات الإبادة الجماعية في غزة والحروب في لبنان وإيران الانقسامات السياسية والاقتصادية والاجتماعية داخلها.
ووفقاً لمصدرين أمريكيين وصفا محتويات التقرير لموقع "دروب سايت نيوز"، أعدّ خبراء "الخلية الحمراء" في الوكالة هذا التقييم في أغسطس/آب، تحت عنوان "التصدّع من الداخل". وهذه الوحدة مسؤولة عن تقديم تحليلات بديلة داخل الوكالة، وقد جمعت في تقييمها بين المعلومات المتاحة علناً والمعلومات الاستخبارية الأمريكية.
ويبدو أن التقييم يتناول المواطنين اليهود في إسرائيل وحدهم، دون المواطنين الفلسطينيين الذين يشكّلون نحو 20% من السكان، ويعيشون تحت أشكال مختلفة من التمييز تصنّفها منظمة العفو الدولية ومنظمات حقوقية أخرى ضمن نظام أوسع للفصل العنصري. ولم تستجب الوكالة لطلب التعليق.
وأشار الخبراء إلى تزامن مجموعة من الضغوط القابلة للانفجار قبيل الانتخابات الإسرائيلية في 27 أكتوبر/تشرين الأول: أزمة اقتصادية وارتفاع حاد في الإنفاق العسكري؛ وعودة أعداد من الجنود من قتال طويل، وهم يمتلكون أسلحة ويعاني كثير منهم صدمات نفسية خطيرة؛ وتصاعد الغضب من إعفاء الرجال اليهود المتشددين دينياً من الخدمة العسكرية؛ وتزايد عنف المستوطنين في الضفة الغربية المحتلة؛ وسعي بنيامين نتنياهو إلى البقاء في السلطة وإشعاله أزمة دستورية.
وتتولى "الفرق الحمراء" في الوكالة تطوير أفكار وتحليلات تتحدّى الافتراضات السائدة، وتكشف التفكير الجماعي ونقاط العمى داخل الجهاز الاستخباري. وقال مصدر في مجتمع الاستخبارات إن واضعي التقييم خبراء في الشأن الإسرائيلي، وإنه ليس مجرد سيناريو خيالي؛ فمع اقتراب الانتخابات واتساع التصدعات، ينبغي أخذ استنتاجهم بأن إسرائيل قد تكون على بُعد شرارة واحدة من صراع داخلي حقيقي على محمل الجد.
وقد ظهر أحد أعمق الانقسامات السياسية حول تحديد من يُطلب منه القتال ومن يُعفى منه، أكثر مما ظهر حول معارضة جرائم الحرب التي ترتكبها الدولة. فقد حصل الرجال المتشددون دينياً تاريخياً على إعفاءات واسعة من الخدمة، مع استمرار استفادتهم من الدعم الحكومي، وهو ترتيب بات يثير اعتراضاً متزايداً مع تكرار استدعاء قوات الاحتياط.
ولا يستند رفض هؤلاء للخدمة إلى معارضة الحروب الإسرائيلية؛ إذ يقول قادتهم إن الخدمة العسكرية تهدّد الحياة الدينية والالتزام بدراسة التوراة. لكن إعفاءهم أصبح مصدراً قوياً للاستياء، بعدما استُدعي جنود الاحتياط مراراً بعيداً عن أعمالهم وأسرهم.
وتتحمّل الأسر أيضاً تكاليف السياسات الحربية الإسرائيلية. فقد بلغت أسعار الغذاء مستويات قياسية، وارتفعت كلفة المواد الغذائية، بما فيها الفاكهة والخضراوات الطازجة، بنسبة 9.5% خلال عامين، مما عمّق أزمة غلاء المعيشة بعد سنوات الحرب.
ومع ذلك، فإن جانباً كبيراً من معارضة نتنياهو ينطلق من الغضب على طريقة إدارته للعنف ضد الفلسطينيين، وليس من رفض هذا العنف نفسه. والأحزاب الصهيونية الرئيسية المعارضة له منقسمة حول القيادة واستراتيجية التحالفات، فيما تتمحور إحدى أبرز هجماتها عليه حول مسؤوليته عن الإخفاق الأمني في السابع من أكتوبر. وأظهرت استطلاعات حديثة صعوبة وصول كلٍّ من معسكر نتنياهو والمعسكر المعارض إلى المقاعد الـ61 اللازمة لتشكيل الحكومة.
وحذّرت المصادر من وجود سوابق تاريخية لاجتماع الانقسام السياسي مع تزايد أعداد المحاربين المسلّحين الذين يعانون صدمات نفسية. واستحضر أحدها جماعات "الفريكوربس" الألمانية، التي ضمّت محاربين سابقين مسلحين بعد الحرب العالمية الأولى. وأوضح أنه لا يساوي بين إسرائيل بعد حرب غزة وألمانيا بعد تلك الحرب، لكنه يرى جوانب تشابه تستحق الانتباه.
وتواجه إسرائيل كذلك عزلة خارجية متزايدة، تشمل تراجع الدعم في الولايات المتحدة، وهو تطور تعامل معه مسؤولون إسرائيليون في أحاديث خاصة باعتباره تهديداً طويل الأمد. وأشار تقييم أغسطس إلى أن تحوّل إسرائيل بصورة متزايدة إلى دولة منبوذة قد يسهم في انهيارها.
وبحسب تقييم آخر منسوب إلى وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA)، نشر عنه "كابيتال آند إمباير" في يوليو/تموز، يعتقد مسؤولون إسرائيليون أن الإجماع السياسي الأمريكي الذي يقوم عليه التحالف يتفكك، وأن استمرار الاعتماد على مليارات الدولارات من المساعدات العسكرية المباشرة قد يصبح غير قابل للاستمرار سياسياً.
وكان ردّهم السعي إلى اندماج أعمق في المؤسسات العسكرية والاستخبارية والصناعات الدفاعية الأمريكية، بما ينشئ روابط يصعب على الحكومات الأمريكية المقبلة تفكيكها. وبحلول ربيع هذا العام، حمل 60% من الأمريكيين نظرة سلبية إلى إسرائيل، مقابل 53% قبل عام، وفق استطلاع لمركز بيو.
وأضاف المصدر أن تراجع الدعم يظهر أيضاً داخل مؤسسات الأمن القومي الأمريكية، حيث يتنامى الاستياء من الموارد الفعلية والرأسمال السياسي اللذين تُنفقهما الولايات المتحدة لدعم إسرائيل. وعبّر عن إحباطه من تعميق التكامل الصناعي العسكري مع دولة وصفها بأنها جرّت الولايات المتحدة إلى حرب تخسرها وتتجسس عليها.
وحاول التقييم أيضاً استكشاف كيفية تفاعل هذه الضغوط إذا تفاقمت الأزمة الداخلية: كيف يمكن لشرارة واحدة أن تحوّل الانقسام السياسي إلى صراع داخلي مفتوح، وما النتائج التي قد تترتب على ذلك؟
ومن السيناريوهات المطروحة انسحاب استثمارات أو موظفين تابعين لشركات تكنولوجيا وذكاء اصطناعي أجنبية، بما يزيد من إضعاف الاقتصاد؛ وإعادة حكومات إقليمية تقييم الجدوى السياسية والاستراتيجية لتعميق التطبيع مع إسرائيل؛ واستغلال حماس أو حزب الله فترة الضعف الداخلي. ووفقاً للمصادر، استخدم التقييم تحديداً تعبير "صراع داخلي".
فعلى مدى عقود، استندت قوة إسرائيل إلى السلاح والدعم الأمريكي، وإلى صورة مفادها أن تفوقها العسكري والاستخباري وتماسكها الداخلي يجعلها دولة عصية على الانكسار. لكن خلف هذه الصورة تتراكم تناقضات اقتصادية وسياسية واجتماعية قد تعجز القوة العسكرية وحدها عن احتوائها.
التعليق والتحليل
أهم ما يطرحه المقال، استناداً إلى وثيقة الـCIA، هو احتمال تحوّل الحرب الخارجية إلى أزمة في قدرة الدولة على إدارة مجتمعها ومؤسساتها؛ فامتلاك التفوق العسكري لا يحسم أسئلة توزيع الأعباء، وشرعية القيادة، والالتزام بالقانون، وقبول نتائج الانتخابات، الأمر الذي قد يؤدي إلى حرب أهلية وانهيار الدولة.
وتبدأ أولى إجراءات التحليل بتحديد درجة الثقة، ليس بمصدري المعلومات، رغم أهمية ذلك، بل بمضمون المقال، لا سيما أن وثيقة الـCIA لم تُنشر.
وفي هذا الشأن، أجادل بأن درجة الثقة بما تضمنه المقال عالية، ويُستدل على ذلك من خلال إعادة نشر المقال من قبل مواقع إعلامية عالمية موثوقة، بعضها إسرائيلية، مثل صحيفة معاريف وموقع Walla، حيث نشرت معاريف بتاريخ 6 أكتوبر/تشرين الأول 2026 تقريراً حمل عنوان "تقرير سري للـCIA يكشف تحذيراً مقلقاً: إسرائيل على حافة حرب أهلية وانهيار سياسي".
أما موقع Walla، فنشر خبراً بعنوان "تقرير على موقع معادٍ لإسرائيل: الـCIA تحذر من صراع أهلي في إسرائيل". ويُلاحظ هنا أن Walla لم يشكك في وثيقة الـCIA، وركّز، بالمقابل، على عدم موضوعية موقع Drop Site، حيث وصفه بأنه معادٍ لإسرائيل.
والأهم في هذا الشأن هو ما نشرته مراكز التفكير الأمني الاستراتيجي في إسرائيل، لا سيما معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي ومعهد مايند إسرائيل، حيث نشر هذا الأخير مقالاً بتاريخ 20 سبتمبر/أيلول 2026، نشرته صحيفة معاريف، حمل عنوان "الأساسات الستة للأمن القومي الإسرائيلي: إسرائيل تكشف عن قوتها وهشاشتها بعد السابع من أكتوبر".
وقد أوضح رئيس مايند إسرائيل، عاموس يادلين، ونائبه أفنير غولوب، في تقريرهما وتصريحاتهما التي تستند إلى دراسة شارك في إعدادها مائة خبير إسرائيلي، أن خلاصة هذه الدراسة تتمثل في أن الأساسات الستة التي يقوم عليها الأمن القومي الإسرائيلي تعاني من الصدأ والتآكل، وإذا لم يُعالج هذا الصدأ، فستنهار الدولة كلها.
ويبدو واضحاً هنا أن دراسة الخلية الحمراء الإسرائيلية التي نظمتها مؤسسة مايند إسرائيل، وتحدث عن مضمونها يادلين ونائبه غولوب، تتشارك مع وثيقة الخلية الحمراء الأمريكية في إبراز المحاور التي تشكل تهديدات جارية للدولة، وتهدد بانهيارها.
وفيما قدمت الخلية الحمراء الإسرائيلية هذه المحاور بوصفها الأساسات الستة التي يقوم عليها الأمن القومي الإسرائيلي، والتي لخصتها في القوة العسكرية (الجدار الحديدي 2)، ورأس المال البشري، والاقتصاد القومي، والتماسك الاجتماعي والمناعة القومية والتفكك السياسي، والعزلة الدولية، والعلاقة مع الولايات المتحدة الأمريكية، والعلاقة مع الإقليم؛ قدمتها الخلية الحمراء الأمريكية في صورة الانقسامات السياسية، والتفكك الاجتماعي، والتراجع الاقتصادي، وتغليب المصلحة الضيقة على المصلحة العامة، وتزايد إرهاب المستوطنين في الضفة الغربية، والعزلة الدولية، والخلاف مع الولايات المتحدة الأمريكية والجاليات اليهودية في الخارج، وتراجع دوافع التطبيع إقليمياً.
وتُظهر المقارنة بين الدراستين أن الدراسة الإسرائيلية لم تُبرز الحرب الأهلية، فيما أبرزتها الوثيقة الأمريكية، إلا أن الوثيقتين اشتركتا في إبراز احتمال انهيار الدولة.
وتكشف وثائق الخلايا الحمراء الإسرائيلية والأمريكية أن إسرائيل قد قطعت شوطاً لا بأس به في مسار الانهيار الحتمي، طالما ظل الائتلاف الحاكم برئاسة نتنياهو يحكم إسرائيل (هكذا تعتقد مايند إسرائيل والـCIA)، الأمر الذي اقتضى تسريب مضمون هذه الوثائق الإسرائيلية والأمريكية.
وقد تأكد حقاً أن إسرائيل قد دخلت مساراً نهايته المؤكدة انهيار الدولة، من خلال مقال رئيس معهد إسرائيل لدراسات الأمن القومي (INSS)، المنشور على صفحة المعهد بتاريخ 7 أكتوبر/تشرين الأول 2026، والذي حمل عنوان "مفهوم الأمن القومي الإسرائيلي الجديد: تأطير مفاهيمي وأسئلة للنقاش".
وحاول هيمان في مقاله أن يستخلص المبادئ التي تقوم عليها العقيدة الأمنية الإسرائيلية بعد السابع من أكتوبر عام 2023، وذلك من خلال قراءة السلوك الأمني والسياسي للحكومة على أرض الواقع. واعتبر أن المرجعية للحكم على المبادئ تتلخص في ثلاثة مفاهيم، هي: الهوية، والعقيدة، والسياسة الأمنية. فالعقيدة تُستمد من الهوية التي لا يجب أن يطرأ عليها تغيير، أما السياسة الأمنية فيمكن أن تتغير من حكومة إلى أخرى حسب أيديولوجيتها، دون المساس بالهوية والعقيدة.
وكان هيمان قد استخلص من قراءته للسلوك الميداني عشرة مبادئ تخص القوة العسكرية والاقتصاد، والمناعة القومية والتماسك الاجتماعي، والعزلة الدولية، والنظرة إلى أصالة الحركة الوطنية الفلسطينية والدول العربية وجدوى بناء سلام معها، والعلاقة مع أمريكا. والأهم أنه خلص إلى نتيجة مفادها أن إسرائيل تبتعد عن هويتها التي قامت عليها، الأمر الذي سيقودها إلى الانهيار، لا سيما أنها، أي إسرائيل، قد اعتمدت استراتيجية الحرب الدائمة أو نموذج "سوبر إسبرطة".
ما تقدم يقول إن إسرائيل لا تواجه فقط احتمال الحرب الأهلية والانهيار، بل قطعت في هذا المسار شوطاً طويلاً لا يبدو أنها قادرة على التراجع عنه، حتى لو جرى تغيير الحكومة في الانتخابات العامة القادمة. الأمر الذي يعني أنه، وفقاً لمنهجية الخلية الحمراء، فإن المؤسسات المتخصصة في الأمن، سواء الإسرائيلية أم الأمريكية، قد بدأت الخطوة الرابعة من خطوات عمل الخلية الحمراء، وشرعت في تطوير مؤشرات إنذار مبكر، لا سيما أن السيناريو المضاد بدأ يتحقق.
إذ يُظهر الواقع أن الانقسام قد انتقل فعلاً إلى مؤسسات القوة، والخلاف على التجنيد قد بلغ ذروته، ويكشف عن أزمة في العقد الاجتماعي، والفجوة مع الجاليات اليهودية حول العالم آخذة في الاتساع، والخلاف مع الحزب الديمقراطي قد بلغ ذروته وبدأ يتسلل إلى الحزب الجمهوري، وكراهية الدولة وعزلتها آخذتان في الازدياد، والاقتصاد في تراجع. والأهم أنها، رغم تفوقها العسكري، لم تحقق النصر في أيٍّ من جبهات القتال.
ولكي أتجنب خداع الرأي العام  الفلسطيني أرى أن الاستنتاج الأكثر موضوعية الذي احاول ابرازه هنا أن المقال ينقل تحذيراً من إمكان تفاعل أزمات إسرائيل الداخلية بما يهدّد تماسكها، لكنه لا يقدّم دليلاً كافياً على قرب انهيارها، وقيمته الأساسية تكمن في أن انهيارها لم يعد تمنيات بل أصبح يناقش علنا وعلى مستوى منهجية الخلية الحمراء، الأمر الذي يعني للفلسطينيين ان الانقسام الإسرائيلي يتيح فرصاً سياسية ودبلوماسية، لكنه قد يدفع أيضاً إلى تصعيد خارجي أو توسيع ارهاب المستوطنين. لذلك، ينبغي أن تقوم الاستجابة الفلسطينية على حماية المجتمع، وتعزيز وحدة المؤسسات والتمثيل السياسي، وتوسيع العمل الدبلوماسي، مع الاستعداد لاحتمالات التصعيد، وأنصح هنا بمبادرة فلسطينية خاصة من قبل مؤسسات التفكير الاستراتيجي الفلسطينية لتشكيل خلية حمراء فلسطينية تدرس الواقع الفلسطيني وفق خطوات عمل الخلية الحمراء الأربعة الموضحة أعلاه.