المتغير الغائب: ماذا يحدث في الوعي الجمعي؟

د. إبراهيم نعيرات

أكتوبر 8, 2026 - 17:29
المتغير الغائب: ماذا يحدث في الوعي الجمعي؟

 إبراهيم نعيرات

في قراءة الحالة الفلسطينية، تُحسب أشياء كثيرة: الأرض، والاستيطان، والاقتصاد، والأمن، وموازين القوى، ومواقف القيادة، وحسابات الاحتلال، والمواقف الإقليمية والدولية. تُرصد الوقائع على الأرض، وتُقاس المؤشرات، وتُحلل مواقف القوى، وتُبنى التقديرات على ما يمكن رؤيته ومتابعته. لكن بين كل هذه الحسابات يوجد متغير أقل ظهورًا، وأكثر بطئًا في التشكل، وقد يصبح في لحظة معينة أكثر تأثيرًا من كثير من الوقائع نفسها: ما يحدث في الوعي الجمعي.

فالمجتمعات لا تستجيب للواقع كما هو فقط، وإنما للمعنى الذي يتشكل لديها عنه. والفلسطيني لا يعيش الحاضر وحده، بل يعيش أيضًا على صورة للمستقبل. قد يكون الواقع قاسيًا، وقد يطول الاحتلال، وقد تضيق سبل الحياة، لكن الاحتمال يظل ممكنًا حين يشعر الإنسان أن ما يتحمله اليوم يقود، ولو بعد وقت، إلى شيء مختلف غدًا. أما حين تنقطع الصلة بين الحاضر والمستقبل، فإن المعاناة تبدأ في اكتساب معنى آخر.

المسألة ليست في حجم الضغط وحده، وإنما في الفجوة بين ما يتوقعه الناس وما يرونه ممكنًا. قد يُحتمل الواقع الصعب إذا بدا مؤقتًا، وقد يُحتمل الانتظار إذا كان مرحلة في الطريق. لكن حين يصبح الانتظار هو الطريق نفسه، ويتحول المؤقت إلى دائم، يبدأ شيء في الداخل بالتغير، حتى لو بدت الحياة الخارجية على حالها.

جيل كامل نشأ على أن الاحتلال، مهما طال، ليس قدرًا أبديًا، وأن السياسة يمكن أن تفتح طريقًا نحو الحرية والدولة. مرت السنوات، وتغير العالم من حول الفلسطيني، وتبدلت خرائط وتحالفات وموازين قوة، بينما بقي الواقع الفلسطيني يدور بين وعود لم تكتمل ووقائع تتقدم على الأرض. لم تعد المشكلة فقط أن الحل تأخر، وإنما أن غيابه تحول تدريجيًا إلى واقع مستقر.

ثم تراكمت طبقات أخرى من الضغط: احتلال يواصل إنتاج الوقائع، واستيطان يضغط على الجغرافيا، واعتداءات متصاعدة من المستوطنين، وانقسام سياسي استنزف جزءًا من الطاقة الوطنية، ومؤسسات تراجعت قدرتها على إقناع الناس بفاعليتها، واقتصاد تضيق فيه فرص العمل والدخل والحركة، ومستقبل تبدو ملامحه أكثر غموضًا لجيل جديد.

لكن أهمية هذه الوقائع لا تكمن في كل واحدة منها منفردة، وإنما في الطريقة التي تبدأ بها في الارتباط داخل الوعي. فالأرض ليست مجرد أرض، والعمل ليس مجرد دخل، والاعتداء ليس مجرد حادث أمني، وصعوبة الحياة ليست مجرد مشكلة اقتصادية. حين تتكرر هذه التجارب وتتقاطع، يبدأ الإنسان في رؤيتها ضمن صورة واحدة.

وهنا تحدث النقلة الأهم: تنتقل المظالم من كونها وقائع متفرقة إلى معنى مشترك. مصادرة أرض في مكان، وفقدان عمل في مكان آخر، وقيود على الحركة، وخوف على مستقبل الأبناء، واعتداءات متكررة، وشعور بالعجز السياسي، قد تبقى في البداية تجارب منفصلة. لكن حين تبدأ قطاعات أوسع في ربطها ببعضها، يتشكل إدراك جديد بأن ما يحدث ليس سلسلة من الحوادث العابرة، وإنما مسار يعيد إنتاج نفسه.

وهذا التحول في المعنى قد يكون أهم من مجرد ارتفاع مستوى المعاناة. فما كان يُحتمل باعتباره ثمنًا لمرحلة انتقالية قد يبدأ في الظهور باعتباره جزءًا من بنية مستمرة، وما كان يُنظر إليه كاستثناء قد يتحول إلى قاعدة. عندها يعاد ترتيب الواقع في الوعي: الأرض ترتبط بالعمل، والاقتصاد بالأمن، والاعتداء بالمستقبل، والسياسة بالحياة اليومية.

ومع إعادة تفسير الواقع تتغير أشياء أقل ظهورًا: حدود الاحتمال، والثقة بالمؤسسات، ومعنى الانتظار، والنظرة إلى المستقبل، وما يعتبره الناس ممكنًا أو مستحيلًا. وهنا لا يعود الوعي الجمعي مجرد مزاج عام أو درجة من الغضب والرضا، بل يصبح متغيرًا سياسيًا يؤثر في الطريقة التي يستجيب بها المجتمع للواقع.

ولا يعني ذلك أن المجتمع يتجه بالضرورة إلى فعل واحد. قد تكون الاستجابة احتجاجًا، أو انسحابًا، أو هجرة، أو تكيفًا، أو إعادة ترتيب للأولويات، أو البحث عن أشكال جديدة من التعبير والتنظيم. فالتراكم لا يحدد النتيجة ولا توقيتها، ولا يضمن أصلًا أن يتحول إلى فعل سياسي ظاهر. لكنه يغير البيئة التي تتحرك فيها السياسة، ويجعل افتراض استمرار الاستجابات السابقة أقل أمانًا.

وهنا تظهر مفارقة مهمة. فالضغط المستمر قد يبدو وسيلة لزيادة السيطرة وإضعاف القدرة على الفعل، لكنه في الوقت نفسه يغير الطريقة التي يفهم بها المجتمع واقعه. وإطالة الانتظار قد تبدو وسيلة لإبقاء الوضع القائم، لكنها قد تغير معنى الانتظار نفسه. وما كان يُحتمل باعتباره مرحلة قد يصبح، مع الزمن، دليلًا على أن المرحلة لن تنتهي.

وهذا ينطبق على القيادة الفلسطينية كما ينطبق على الاحتلال. فالقيادة لا تواجه فقط الاحتلال والانقسام والأزمة الاقتصادية وضعف المؤسسات، وإنما تواجه أيضًا احتمال تغير نظرة المجتمع إلى جدوى السياسة نفسها. والاحتلال لا يتعامل مع مجتمع ثابت يمكن ضبطه بالوسائل ذاتها إلى ما لا نهاية؛ فالضغط الذي يفرضه يترك أثرًا في الوعي، وقد ينتج مع الوقت نتائج تتجاوز ما كان مقصودًا منه.

ليس في ذلك تنبؤ بتحول محدد، ولا افتراض بأن تراكم الضغوط يقود حتمًا إلى نتيجة واحدة. التراكم يزيد قابلية التحول، لكنه لا يحدد شكل التحول ولا توقيته ولا حتى ما إذا كان سيحدث. فالنتائج تتوقف على القيادة والتنظيم والظروف السياسية والقدرة على تحويل الإدراك إلى فعل.

لكن ما يصعب تجاهله هو أن المجتمع نفسه ليس طرفًا ثابتًا في معادلة تتغير فيها بقية الأطراف فقط. إنه يتغير تحت تأثير التجربة؛ تتغير توقعاته، وحدود احتماله، وثقته بالمؤسسات، ونظرته إلى المستقبل، وما يعتبره ممكنًا أو مستحيلًا. وهذه التحولات لا تظهر كلها في المواقف السياسية المعلنة، لأنها تبدأ قبل ذلك في المنطقة الأعمق التي تتشكل فيها القناعات.

ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس بالضرورة أن يزداد الغضب، وإنما أن تتغير علاقة المجتمع بالمستقبل. حين لا يعود الإنسان يرى في الانتظار مرحلة، ولا يرى في التضحيات طريقًا إلى نتيجة، ولا يرى في السياسة قدرة على فتح أفق مختلف، تبدأ العلاقة بين المجتمع والواقع والمؤسسات في إعادة التشكل.

ومن هنا لا تكتمل قراءة المرحلة الفلسطينية بمراقبة ما يحدث على الأرض فقط. هناك حركة أخرى تجري تحت سطح الوقائع: تراكم للتجارب، وتآكل للتوقعات، واتساع لدائرة المتضررين، وانتقال تدريجي للمظالم من وقائع منفصلة إلى معنى مشترك. وقد يبقى كل شيء في ظاهره كما هو، بينما يكون شيء مهم قد تغير في الداخل.

المتغير الغائب ليس ما يحدث حول الفلسطيني، بل ما يحدث في وعيه تجاه ما يحدث حوله. وعندما يتغير معنى الواقع في الوعي الجمعي، قد تبقى الوقائع نفسها، لكن المجتمع الذي يتعامل معها لن يبقى بالضرورة هو المجتمع نفسه.