المجلس التشريعي أمانة دستورية لا مكافأة على المكانة

إعداد وتقرير: المحامي علي أبوحبلة

أكتوبر 7, 2026 - 11:39
المجلس التشريعي أمانة دستورية لا مكافأة على المكانة

المجلس التشريعي أمانة دستورية لا مكافأة على المكانة
إعداد وتقرير: المحامي علي أبوحبلة
مع اقتراب الاستحقاق الانتخابي، تبرز الحاجة إلى إعادة تعريف وظيفة المجلس التشريعي، بعيداً عن المفاهيم التي تختزل العضوية في الوجاهة أو الشهرة أو التاريخ التنظيمي أو المكانة الاجتماعية والأدبية. فالمجلس التشريعي ليس جمعية أهلية، ولا مؤسسة خدمات، ولا منبراً ثقافياً، وإنما سلطة تشريعية ورقابية تضطلع بمسؤولية سن القوانين، ومراقبة أداء السلطة التنفيذية، ومساءلتها، وحماية الحقوق والحريات والمصلحة العامة، وترسيخ سيادة القانون والتوازن بين السلطات.
ومن هذا المنطلق، فإن عضوية المجلس التشريعي ليست مكافأة على تاريخ نضالي أو تنظيمي أو فكري أو أدبي، وإنما تكليف شعبي ومسؤولية دستورية ووطنية تتطلب كفاءة وقدرة وخبرة واستقلالية، إلى جانب الثقافة السياسية والقانونية والجرأة في ممارسة الرقابة.
ولا ينتقص ذلك من مكانة الأدباء والكتاب والشعراء والمثقفين والأكاديميين أو أصحاب المهن المختلفة؛ فكل هؤلاء يمثلون رصيداً وطنياً مهماً، ويمكن لكل منهم أن يخدم وطنه من موقعه. لكن التميز في مجال معين لا يعني بالضرورة امتلاك أدوات العمل البرلماني.
فقد يكون الأديب مبدعاً، والشاعر مؤثراً، والكاتب صاحب رؤية، والأكاديمي مرموقاً، والشخصية التنظيمية ذات تاريخ طويل، لكن عضوية المجلس تطرح أسئلة أخرى: هل يمتلك المرشح القدرة على فهم التشريعات؟ هل يستطيع مناقشة الموازنة العامة والسياسات الحكومية؟ هل لديه ثقافة سياسية وقانونية تمكنه من تحليل الملفات الوطنية؟ هل يستطيع ممارسة الرقابة والمساءلة؟ وهل يمتلك الاستقلالية والجرأة لاتخاذ موقف عندما تتعارض المصلحة العامة مع الاعتبارات الشخصية أو التنظيمية؟
هذه هي معايير التأهيل البرلماني، وليست الشهرة وحدها.
فالنائب ليس «نائب خدمات»، ولا ينبغي أن تختزل وظيفته في متابعة الوظائف والمساعدات والمعاملات الفردية، رغم أهمية هذه القضايا الإنسانية. جوهر العمل النيابي هو معالجة أسباب المشكلات عبر التشريع والرقابة، ومساءلة الحكومة عن سياساتها وقراراتها وإنفاقها، والدفاع عن المال العام وحقوق المواطنين.
كما أن الاستقلالية لا تعني الانفصال عن العمل السياسي أو التنظيمي، وإنما تعني قدرة النائب على ممارسة قناعته وواجبه الدستوري، وأن تبقى المصلحة العامة فوق الاعتبارات الضيقة. أما الجرأة السياسية فلا تعني الصدام أو رفع الصوت، وإنما القدرة على طرح الأسئلة الصعبة، وكشف مواطن الخلل، ومواجهة التقصير بالوسائل القانونية والدستورية.
ومن هنا، فإن المكانة التنظيمية أو الفكرية أو الأدبية لا ينبغي أن تتحول بذاتها إلى معيار للترشح. وكذلك لا ينبغي أن تتحول الانتخابات إلى مسابقة في الشهرة أو الحضور الإعلامي أو عدد المتابعين أو القدرة المالية.
المطلوب مجلس يضم كفاءات متنوعة، تجمع بين الخبرة السياسية والقانونية والاقتصادية والاجتماعية، وبين القدرة على التحليل والحوار وصناعة التشريع. فالتنوع مطلوب، لكن التنوع لا يلغي معيار الكفاءة.
والأهم أن عضوية المجلس التشريعي لا تتطلب بالضرورة أن يكون المرشح قانونياً أو سياسياً محترفاً؛ فقد يأتي النائب من الطب أو الهندسة أو الاقتصاد أو الثقافة أو الإعلام أو العمل النقابي، شريطة أن يمتلك الاستعداد والمعرفة والقدرة على أداء الوظيفة التشريعية والرقابية بكفاءة.
إن فلسطين بحاجة إلى مجلس تشريعي قوي وفاعل، يرسخ دولة المؤسسات وسيادة القانون، ويعيد الاعتبار لمبدأ الفصل والتوازن بين السلطات، ويجعل الرقابة والمساءلة ممارسة مؤسسية لا مجرد شعارات.
لذلك، فإن السؤال أمام الناخب لا ينبغي أن يكون فقط: من يريد خدمة الوطن؟ وإنما السؤال الأهم: من يمتلك القدرة والاستقلالية والخبرة والجرأة والثقافة السياسية والقانونية التي تؤهله لتحمل مسؤولية التشريع والرقابة؟
فخدمة الوطن ليست محصورة في عضوية المجلس التشريعي؛ فالكاتب والأديب والعالم والطبيب والمحامي والمهندس والإعلامي والعامل والمزارع يستطيع كل منهم أن يخدم وطنه من موقعه.
أما المقعد التشريعي، فهو أمانة تمثيل الشعب، وليس امتيازاً شخصياً أو مكافأة على المكانة.
ومن هنا تبدأ مسؤولية المرشح، كما تبدأ مسؤولية الناخب: أن يكون الاختيار على أساس الكفاءة والنزاهة والاستقلالية والخبرة والقدرة على تحمل المسؤولية، حتى يكون المجلس التشريعي سلطة فاعلة في بناء دولة القانون، لا مجرد تجمع للوجاهات أو منصة للخدمات.
المحامي علي أبوحبلة
باحث في القانون والمحلل السياسي – رئيس تحرير صحيفة صوت العروبة