من حوار المصالحة إلى اختبار التنفيذ: هل تكون القاهرة محطة للحل أم جولة جديدة في مسلسل الحوارات???
إعداد: المحامي علي أبوحبلة
من حوار المصالحة إلى اختبار التنفيذ: هل تكون القاهرة محطة للحل أم جولة جديدة في مسلسل الحوارات???
إعداد: المحامي علي أبوحبلة
تعود القضية الفلسطينية مرة أخرى إلى طاولة الحوار الوطني، وهذه المرة عبر البوابة المصرية، في محاولة لإعادة ترتيب البيت الفلسطيني ومناقشة الشراكة السياسية والانتخابات ومستقبل مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية.
وتأتي زيارة وفد حركة «فتح» إلى القاهرة في وقت بالغ الحساسية، إذ تتواصل الاستعدادات للانتخابات التشريعية المقررة في 28 تشرين الثاني/نوفمبر 2026، فيما تتزايد الحاجة إلى توافق وطني يحول دون استمرار الانقسام السياسي والمؤسساتي. وتشير المعطيات المنشورة إلى أن الوفد سيبحث مع المسؤولين المصريين ترتيبات استضافة الحوار ورعايته، وسط نقاشات حول طبيعة المشاركة والجهات التي ستدعى إليه.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: هل نحن أمام حوار جديد قادر على إنتاج قرارات قابلة للتنفيذ، أم أمام حلقة جديدة تضاف إلى سلسلة طويلة من الاتفاقات والتفاهمات التي بقي معظمها دون ترجمة عملية??
منذ اتفاق مكة، مروراً بجولات القاهرة، ثم الجزائر، وصولاً إلى إعلان بكين، لم تكن المشكلة الفلسطينية في غياب الأفكار أو المبادرات أو صيغ التوافق. فقد شهدت السنوات الماضية اتفاقات وتفاهمات عديدة أكدت بصورة أو بأخرى ضرورة إنهاء الانقسام، وإعادة بناء المؤسسات الوطنية، وتوحيد النظام السياسي، والاحتكام إلى الانتخابات والشراكة الوطنية.
وفي إعلان بكين عام 2024، وقعت أربعة عشر فصيلاً فلسطينياً على إعلان لإنهاء الانقسام وتعزيز الوحدة الوطنية، وتضمن التفاهم التأكيد على إطار منظمة التحرير، وتشكيل حكومة توافق وطنية مؤقتة، وتوحيد المؤسسات، وإعادة إعمار قطاع غزة، والتمهيد للانتخابات العامة.
ومع ذلك بقي السؤال الأصعب: من ينفذ??ومتى ? وكيف??
وهنا تكمن العقدة الحقيقية.
فالوفود التي تذهب إلى طاولات الحوار لا ينبغي أن تكون مجرد وفود تفاوضية تبحث عن صياغات سياسية عامة، وإنما يفترض أن تكون مزودة بتفويض واضح، وأن تكون قادرة على العودة إلى مؤسساتها بقرارات قابلة للاعتماد والتنفيذ، لا بمجرد بيانات جديدة.
الحوار السياسي يصبح بلا جدوى عندما تكون مخرجاته رهينة بموافقات لاحقة غير محددة، أو عندما تُترك القضايا الأساسية مفتوحة أمام التأويل، أو عندما لا يُحدد سقف زمني لتنفيذ ما تم الاتفاق عليه.
المشكلة ليست في عقد الحوار وإنما في غياب آلية التنفيذ
لقد أصبح المواطن الفلسطيني أكثر تشككاً في جدوى البيانات السياسية، لأن التجربة الطويلة جعلته يقيس جدية أي حوار بما يحدث بعد انتهائه، وليس بما يقال خلال جلساته.
ولهذا فإن الحوار المرتقب في القاهرة يحتاج إلى الانتقال من منطق التفاهمات إلى منطق الالتزامات، ومن لغة المبادئ العامة إلى تحديد إجراءات عملية.
فإذا اتفق الفلسطينيون على الانتخابات، فالسؤال هو: ما الجدول الزمني؟ ومن يضمن استمرار إجراءاتها؟ وكيف تتم معالجة أي عوائق سياسية أو جغرافية أو أمنية قد تحول دون إجرائها؟
وإذا كان المطلوب إعادة بناء مؤسسات منظمة التحرير، فلا بد من تحديد كيفية تحقيق ذلك، وآلية تمثيل القوى السياسية، وكيفية انتخاب المجلس الوطني، وما هو دور الفصائل والقوى والشخصيات الوطنية والمجتمع المدني.
أما إذا كان المطلوب إعادة ترتيب العلاقة بين السلطة ومنظمة التحرير والدولة الفلسطينية، فإن الأمر يحتاج إلى رؤية سياسية ودستورية واضحة، لا إلى تفاهمات مؤقتة.
الانتخابات ليست ورقة تفاوض
ومن أخطر ما يمكن أن يحدث أن تتحول الانتخابات إلى موضوع تفاوضي بين الفصائل بدلاً من كونها حقاً وطنياً واستحقاقاً ديمقراطياً.
فالانتخابات ينبغي أن تكون إحدى أدوات إنهاء الانقسام، وليس ضحية جديدة له.
وإذا كانت هناك مشكلات حقيقية تحول دون إجرائها، فينبغي أن تكون هذه المشكلات معلنة ومحددة، وأن تخضع لمعالجة وطنية وقانونية، لا أن تتحول عبارة «الحوار الوطني» إلى عنوان مفتوح يمكن من خلاله ترحيل الاستحقاقات دون سقف زمني.
وتزداد أهمية ذلك في ظل استمرار لجنة الانتخابات المركزية في إجراءاتها، بينما تتزامن الدعوات إلى الحوار مع نقاشات متزايدة حول مصير موعد الانتخابات.
الخلاف حول المشاركة لا ينبغي أن يتحول إلى عنوان لإفشال الحوار
أما الخلاف حول القوى والشخصيات التي ستشارك، ومن بينها الجدل المتعلق بتيار الإصلاح الديمقراطي، فينبغي التعامل معه بمنطق سياسي وطني يحافظ على مبدأ الشمول، من دون أن يتحول الحوار الوطني إلى ساحة لتصفية الخلافات الداخلية داخل أي تنظيم.
المطلوب هو التمييز بين الحوار الوطني الفلسطيني وبين الخلافات التنظيمية الداخلية.
فالحوار الذي يبحث مستقبل النظام السياسي الفلسطيني ينبغي أن ينطلق من المصلحة الوطنية الجامعة، وأن يضمن تمثيلاً سياسياً معقولاً للقوى المؤثرة، وفق معايير معلنة ومتفق عليها، بعيداً عن الإقصاء أو فرض شروط مسبقة.
مصر تستطيع الرعاية لكنها لا تستطيع صناعة الإرادة الفلسطينية
الدور المصري يكتسب أهمية خاصة بحكم الخبرة الطويلة في رعاية الحوار الفلسطيني، وبحكم العلاقة التاريخية والجغرافية والسياسية مع القضية الفلسطينية.
لكن القاهرة تستطيع توفير الرعاية والوساطة وتهيئة المناخ، ولا تستطيع أن تحل محل الإرادة الفلسطينية في تنفيذ ما يتفق عليه الفلسطينيون.
وهنا تكمن مسؤولية الوفود الفلسطينية نفسها.
فإذا دخلت الوفود الحوار بتفويض محدود، أو تفاوضت على أساس تأجيل القضايا الصعبة، أو احتاجت كل نقطة إلى العودة إلى مرجعيات متعددة، فقد نخرج باتفاق جديد يحتاج بدوره إلى حوار آخر لتفسيره وتنفيذه.
أما إذا دخلت بتفويض سياسي واضح، وبجدول أعمال محدد، وبسقف زمني، وبآلية تنفيذ ورقابة، فإن القاهرة يمكن أن تكون نقطة تحول حقيقية.
المطلوب اتفاق تنفيذ لا إعلان جديد
القضية الفلسطينية لا تحتاج اليوم إلى إضافة وثيقة جديدة إلى أرشيف المصالحات، بقدر حاجتها إلى آلية لتنفيذ ما سبق الاتفاق عليه.
وهذا يتطلب تشكيل لجنة تنفيذية وطنية محددة الصلاحيات، وجدولاً زمنياً واضحاً، وآلية متابعة دورية، وتحديد الجهة المسؤولة عن كل بند، وإعلان ما تم تنفيذه وما تعذر تنفيذه وأسباب ذلك.
كما ينبغي أن تكون مخرجات الحوار مكتوبة وواضحة، وأن تتضمن آلية لحسم الخلافات التي قد تظهر أثناء التنفيذ.
فالاختبار الحقيقي للحوار لن يكون في عدد الفصائل التي تجلس حول الطاولة، ولا في عدد الصفحات التي ستصدر في ختام اللقاء، وإنما في عدد القرارات التي ستنتقل من الورق إلى الواقع.
لقد جُرّبت طاولات كثيرة، ووقعت اتفاقات عديدة، وتبدلت العواصم والوسطاء، لكن الانقسام بقي قائماً.
ولذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يسبق حوار القاهرة هو:
هل نريد حواراً جديداً، أم نريد تنفيذ ما توافقنا عليه سابقاً??
وإذا كانت هناك حاجة إلى اتفاق جديد، فيجب أن يكون مختلفاً في جوهره: اتفاقاً يحدد المسؤوليات، ويضع المواعيد، ويضمن التنفيذ، ويجعل الاحتكام إلى الشعب عبر الانتخابات هو الفيصل، ويعيد بناء المؤسسات الوطنية على قاعدة الشراكة وسيادة القانون.
أما استمرار الحوارات من دون تنفيذ، فإنه يخاطر بتحويل الحوار الوطني من أداة لإنهاء الانقسام إلى إدارة دائمة للانقسام.
واللحظة الفلسطينية الراهنة لا تحتمل مزيداً من إضاعة الوقت. فالمطلوب ليس انتصار «فتح» على «حماس»، ولا انتصار فصيل على آخر، وإنما انتصار المشروع الوطني الفلسطيني على الانقسام، وانتصار المؤسسات على الشخصنة، وانتصار الانتخابات على التعيين، وانتصار الشراكة الوطنية على الإقصاء.
القاهرة يمكن أن تكون محطة مفصلية، ولكن نجاحها لن يقاس بما تتفق عليه الوفود، بل بما تستطيع هذه الوفود إلزام مؤسساتها وقواها السياسية بتنفيذه.



