بعد اقتحام الأقصى.. التحذير من فرض أمر واقع وتقسيم الحرم القدسي
المحامي علي أبو حبلة
بعد اقتحام الأقصى.. التحذير من فرض أمر واقع وتقسيم الحرم القدسي
المحامي علي أبو حبلة
لم يعد اقتحام المسجد الأقصى المبارك من قبل مسؤولين إسرائيليين ومجموعات من المستوطنين، بحماية القوات الإسرائيلية، مجرد حادثة منفصلة عن سياقها، بل يأتي في ظل مسار متواصل يثير مخاوف جدية من محاولات تغيير الوضع التاريخي والقانوني القائم في الحرم القدسي الشريف، وفرض وقائع جديدة بصورة تدريجية.
وفي هذا السياق، اكتسب تحذير الأزهر الشريف من أي مساعٍ لتغيير الوضع القائم في القدس أهمية خاصة، خصوصًا تحذيره من سياسات التهويد ومحاولات فرض التقسيم الزماني والمكاني للمسجد الأقصى. كما تزامن ذلك مع مواقف عربية وإسلامية رافضة للاقتحامات، ومؤكدة ضرورة احترام الوضع التاريخي والقانوني القائم في المسجد الأقصى والقدس.
وتكمن الخطورة الحقيقية في أن استمرار الاقتحامات والممارسات الأحادية، إذا تكرر دون ردع دولي فعّال، قد يتحول تدريجيًا من خرق للواقع القائم إلى أمر واقع جديد، ثم إلى محاولة تكريس هذا الواقع باعتباره قاعدة مستحدثة. وهذه هي أخطر مراحل الصراع على القدس، لأن فرض الوقائع بالقوة لا يغير الحقوق القانونية، لكنه يسعى إلى إعادة تشكيل الواقع على الأرض بما يخدم مشروعًا سياسيًا طويل المدى.
أما التقسيم الزماني والمكاني، فإنه لا يمكن التعامل معه باعتباره مجرد ترتيبات تنظيمية داخل المسجد الأقصى، بل يحمل تداعيات دينية وسياسية وقانونية عميقة، لأنه يستهدف تغيير طبيعة استخدام الحرم وترتيبات العبادة فيه، ويمس بصورة مباشرة الوضع التاريخي والقائم الذي حافظ على هوية المسجد الأقصى ومكانته الإسلامية.
ومن منظور القانون الدولي، فإن القدس الشرقية تقع ضمن الأرض الفلسطينية المحتلة، ولا يترتب على الاحتلال حق في إجراء تغييرات أحادية الجانب تمس الوضع القانوني للمدينة أو طبيعتها الديموغرافية والثقافية والدينية. وقد أكدت محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري الصادر عام 2024 بشأن الآثار القانونية لسياسات إسرائيل وممارساتها في الأرض الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، جملة من المبادئ المتعلقة بعدم جواز اكتساب الأرض بالقوة وبالالتزامات المترتبة على الاحتلال.
وتزداد المسؤولية الدولية في ظل حساسية المسجد الأقصى باعتباره أحد أبرز المقدسات الإسلامية، وفي ظل ارتباط حمايته بالحفاظ على السلم والأمن الإقليميين والدوليين. ومن هنا، فإن أي محاولة لفرض تقسيم زماني أو مكاني أو تغيير قواعد الدخول والعبادة وإدارة الحرم بالقوة، تستدعي موقفًا دوليًا واضحًا يحول دون تحويل الإجراءات الأحادية إلى حقائق دائمة.
إن المطلوب اليوم ليس الاكتفاء ببيانات الإدانة، وإنما تحرك سياسي وقانوني ودبلوماسي منظم، يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته، ويوثق الانتهاكات، ويؤكد أن الوضع القائم في المسجد الأقصى ليس مجالًا لإعادة صياغته بإجراءات أحادية الجانب.
فالقدس ليست ساحة لتجارب فرض الأمر الواقع، والمسجد الأقصى ليس ملفًا قابلًا لإعادة التقسيم بالخطوات التدريجية. وأي تساهل مع تحويل الاقتحامات المتكررة إلى ترتيبات جديدة قد يفتح الباب أمام مرحلة أكثر خطورة، يصبح فيها تغيير الواقع هدفًا قائمًا بذاته.
إن حماية المسجد الأقصى والحفاظ على وضعه التاريخي والقانوني مسؤولية فلسطينية وعربية وإسلامية ودولية، ويظل المعيار الحقيقي لجدية المواقف الدولية هو القدرة على منع تثبيت أي واقع جديد بالقوة، قبل أن يتحول الخرق المتكرر إلى قاعدة، والاستثناء إلى أمر واقع، والأمر الواقع إلى مشروع تقسيم دائم.
المحامي علي أبو حبلة



