تدنيس الحميمية: حين تتحول أشياؤنا الخاصة إلى أدوات حرب

د. سماح جبر/ استشارية الطب النفسي

مارس 24, 2026 - 09:03
تدنيس الحميمية: حين تتحول أشياؤنا الخاصة إلى أدوات حرب

د. سماح جبر/ استشارية الطب النفسي

في لحظةٍ ينهار فيها سكون الليل، تُكسر الأبواب وتُقتحم البيوت. لا يطول المشهد، لكنه يترك أثرًا يتجاوز زمنه: جنود يدخلون، يعربدون، يعبثون، ثم يرتدون الملابس الداخلية الخاصة بالنساء—اللانجري—ويصورون أنفسهم داخل فضاء تم اغتصابه بفوهة البنادق. ليس الهدف هنا التفتيش ولا حتى التخريب المادي، بل إعادة تعريف المكان نفسه: تحويل البيت من ملاذٍ خاص إلى مسرحٍ للسيطرة والاختراق.

ما يحدث في غزة ولبنان ليس سلوكًا شاذًا، بل تقنية استعمارية: الاستعمار الحميمي—ذلك الشكل من الهيمنة الذي لا يكتفي بالسيطرة على الأرض، بل يمتد إلى الجسد، والخصوصية، والمعنى. حين تُرتدى الملابس الحميمة وتُعرض على أجساد غريبة، لا يتم انتهاك الممتلكات فحسب، بل يتم اقتحام الحدود النفسية التي تفصل بين العام والخاص، بين الآمن والمهدَّد. يصبح الحميم مادةً للإيذاء الاستعماري، وتتحول الخصوصية إلى مساحة قابلة للإخضاع.

الأخطر من الفعل نفسه هو إعادة بثّه. الصور والفيديوهات التي تُنشر لاحقًا ليست بوستا عابرًا على وسائل التواصل الاجتماعي، بل جزء من استراتيجية مقصودة: الصدمة المؤجلة عبر الشاشة. يشاهد النازحون بيوتهم منتهكة، لا في لحظة الحدث، بل بعده—حين يصبحون عاجزين عن الفعل، ومجبرين على التلقي. هنا، لا ينتهي الاقتحام بخروج الجنود؛ بل يبدأ شكل آخر من الانتهاك، يستقر في الذاكرة ويُعاد استحضاره كلما أُعيدت مشاهدة الصورة.

هذا التصرف، الذي قد يبدو ساخرًا أو منحرفًا، هو في جوهره ممارسة مُنظّمة لإعادة ترتيب السلطة: إذلال، وإخضاع، وإعادة تعريف الإنسان في علاقته بذاته وبجسده. وهو فعل احتلالي ممنهج، لا يكتمل إلا بإعادة إنتاجه ونشره، كوسيلة لإطالة أمد الأذى وتعميمه على النازحين والمجتمع المحتل بأسره. وهذا ما ينسجم مع مقاربة علم النفس التحرري التي ترى أن العنف النفسي ليس عرضًا فرديًا، بل نتاج بنية قمعية يجب فهمها في سياقها السياسي والاجتماعي.

الأثر النفسي يتوزع، لكنه يتكامل في تفكيك النسيج الاجتماعي:

على الرجال: يتجسد العنف كإذلال مركب—عجز عن الحماية، وانكشاف الفضاء الخاص، وتهديد للهوية المرتبطة بدور الحماية.

على النساء: يتحول الجسد إلى مساحة مُخترقة رمزيًا؛ يتداخل الغضب مع الخزي والخوف، ليس بسبب الفعل بحد ذاته فقط، بل لما يحمله من إيحاءات بالهيمنة على الجسد وإمكانية إخضاعه.

على الأطفال: ينهار الحد الفاصل بين ما هو خاص وما هو عام. ما كان مخفيًا عن عيونهم يظهر فجأة، لا كمعرفة، بل كصدمة تُربك إدراكهم للأمان، وتزرع تصدعًا عميقًا في شعورهم بثبات العالم من حولهم.

هنا، لا يُستهدف الفرد فقط، بل تُستهدف البنية الجندرية للمجتمع: إذلال الرجال عبر تعرية عجزهم، وانتهاك النساء عبر تدنيس حميميتهن، في عملية متكاملة لتفكيك الأدوار والعلاقات. إنه عنف حميمي مُسلّح، يستخدم الرموز اليومية لإعادة إنتاج الهيمنة.

يمتد هذا الفعل عبر الزمن. فهو لا يحدث مرة واحدة، بل يتكرر في الذاكرة، في الصور، في استعادة التفاصيل الصغيرة: باب بيت اقتُحم، درج فُتح، قطعة قماش انتزعت، ترتيب اختل. حتى لو بقي البيت قائمًا، فإنه لم يعد كما كان. يصبح محمّلًا بذاكرة الانتهاك، وكأن الاحتلال لم يغادره قط.

وبالرغم من ذلك، فإن تحويل هذه التجارب إلى شهادة ضد الاحتلال ليس سرد إخباري فقط، بل فعل مقاومة. تحويل هذه الشهادة إلى فضاء عام لا يفضح الانتهاك فحسب، بل يحدّ من عزل الضحايا، ويعيد ربط التجربة بسياقها الجماعي بدل تركها كعبء فردي صامت. بذلك، تُستعاد القدرة على الفهم، وتُفتح إمكانيات المواجهة، وتُرمَّم الكرامة والعلاقات الاجتماعية التي يُراد لها أن تتمزق.

هذه الممارسات ليست تفصيلًا هامشيًا من الحرب، بل إحدى تقنياتها الدقيقة: تفكيك الإنسان من داخله، عبر تحويل أكثر مساحاته خصوصية إلى أدوات للسيطرة عليه. والمواجهة تبدأ بإدراك ذلك وتسميته، لا بوصفه كحادثة عابرة، بل كبنية مستمرة من العنف الرمزي، لا تنتهي بانتهاء الحدث، بل تستمر ما لم ننجح في تفكيكها وتحييد أثرها.