غصن زيتون يعاند الموت
بقلم: مُنال زيدان.صحفي واعلامي وناشط مجتمعي
غصن زيتون يعاند الموت
ارض قاسية واشواك العشب تعانق الشجر وزيتون متعب وحزين واوراق صفراء أرى الأوراق تضيق على نفسها، وتلتوي حوافّها وتتساقط، لم يبقى أخضر منها إلا ما نضر. ورقة بعد أخرى صارت بنّية صفراء، يرتجف حوافها مع الهواء. أغصانها اليابسة تقاوم الموت وتقاوم النار، كأن النار التي مرّت لم تجد ما يكفي لإتمام الحريق بفعل صمودها . وحين لم يبق على الأغصان ما يشبه الحياة قاومت ، وثمر ناشف ضعيف لقلة العناية بالارض والشجر ، بفعل الاستيطان ومنع المزارعين من التوجه لاراضيهم السماء تبخل علينا بالمطر وتتلكأ غيومها بصب الماء كتلكأ الكأس لشفاه اعياها العطش ، جذور الشجر ما زالت صامدة تخترق الصخر وسخونة التراب ، لتصل لرطوبة الارض حتى تتنفس ما أمكن وترتوي لتعيش بصمت ودون ضجيج لأن صراخ الموت مؤلم وهي لطالما تحدت المحراث الفولاذي الذي كان يقتلع جزء من جذورها وتحدت كل سموم المحتل والطبيعة وهنا يا سادة نتحدث عن شجرة الزيتون.
رائحة الارض هي كما هي مجبولة بكل انواع الزهور لكن في حالتنا الفلسطينية ثمة رائحة تتفوق على كل الروائح العطرية وهي رائحة التراب المجبول بدم الشهداء، موسم الزيتون ذو النكهة والرمزية والقدسية للفلسطينين ونكهته من خلال الدخان الابيض الخارج من تحت ابريق الشاي والطبخ فوق نار الحطب داخل الارض وكل مزارع يحمل معه مسجل صغير لسيتمع لغناء العتابا والاغاني الشعبية والدحية والسلالم تعانق الاغصان والمفارش تلم الثمر وتجمعها ومناشير ومقصات تنادي الشجر كانها مقصات تداوي وتقطب جرح في جسد واطفال يسرقون الوقت في اللعب بالتراب وحبات الزيتون ويسرقون بعض الثمر ليبيعوه ويشتروا الحلوى والأيس كريم وكلا يشتري ما يشتهيه والعواجيز والنساء نميمتهم لا تتوقف.
ومع هذا تتألق شجرة الزيتون وتعاند الموت وتتمسك بجذورها وتنتظر الألم والعطش وقلة الغذاء والدواء طويلا حتى ياتي عشيقها الفلاح ليعانقها ويطبطب عليها تماما كما نطبطب على الاطفال.
وسط هذا الواقع المؤلم والضبابي تتألق مؤسسات وهيئات وجمعيات وتلبي نداء الواجب وهنا نتحدث عن جمية اتحاد المزارعين الفلسطينيين في محافظة طولكرم.
يتألقون كقطفات الزيتون التي تقطف الثمر فيسيل زيتا فقطفوا بنبلهم ودعمهم كل تعبنا المجبول بالتعب والخوف وحولوا المجهول لواقع وكانوا المنطقين حين كان المنطق مستحيل وخر راكعا للمحتل في ظل ظروف الفلاحين الاستثنائية ومعناتهم من خوف ورعب بسبب اعتداءات المستوطنيين والجيش ولكنهم وضعتم بصمتهم كشاهد على حبات الزيتون حين كاد الزيتون أن يسيل دما قبل أن يسيل زيتا .
يصطف الفرح ثقيلا على جدار القلب وسط حسار الموت والتجويع والتنكيل وسرقة الارض والشجر وثمة حرقة وغل متورم بالصدور وقهر لقلة الحيلة ، وهنا يا سادة تضيع التفاصيل وتصبح خارج النص ومع ذلك ورغم ذلك ثمة أمل يلوح دائما وهذه المرة كما كل مرة يخرج الامل من اولئك الذين دائما حين نحتاجهم نجدهم وحين نتوه هم يبحثون عنا ويبحثون عن الفلاح والارض والشجر فكانوا مع شعبهم في النزوح والتهجير وكانوا مع المزارع وارضه وشجره وثمره وحرثوا الارض بما يملكون من امكانيات متواضعة، متواضعة من وجهة نظرهم لكنها مهمة وكبيرة جدا في نظر المزارع فكان الاتحاد كمن يسحب الشمس والمطر من وسط الغيوم وكانوا كنورس البحر وبدعمهم لنا غيروا كثيرا من ساعاتنا الرملية وكانوا ظلنا تحت الشمس وتحت الشجر لذلك لو كان الأمر بيدي لاهديتهم هذا الموسم موسم الزيتون باسمهم جمعية اتحاد المزارعين الفلسطينين.
إن دعمهم للمزارع الفلسطيني له ما عليه وشكل فارق كبير في هذا الموسم الذي وإن كان حزين بسبب منع الاحتلال ومستوطنيه المزارعين للوصول الى اراضيهم وسرقة محاصيلهم لكنه كان بنكهة الفرح حين كانت تعزف القطافات لحن العناق عناق قطف الزيتون وما وفرته من جهد وتعب ووقت والاهم كنتم جزء أصيل من صمودنا وتحدينا لكل ما نتعرض له.
تحدي للإحتلال ومستوطنيه وتحدي الوقت فكل أداة قدمتموها لنا كانت تسرق لنا الوقت من انياب المحتل بعدما كنا نعتمد الخرط اليدوي الذي يستهلكنا ويستهلك وقتنا فصنعتم فارق في الجهد وفي الوقت والاهم في الانجاز سواء على مستوى عدد الدونمات أو كمية شجر الزيتون المنجز وهنا نتقدم لكم بكل الانحناء والاحترام والتقدير ونتشرف بهذا الدعم وبمؤسستكم التي تطورت وطورت عملها مع المزارع فكان لجمعيتكم أن تكتب اسمها بحبر من ذهب على كل شجرة وحبة زيتون .
السيد رأفت الخندقجي وكل المشرفين على الجمعية الزراعية يعلمون جيدا حجم الضغط وحجم المعاناة التي تتعرض لها محافظة طولكرم وخاصة القرى والوضع الامني بسبب الاحتلال ومستوطنيه الذين يسرقون زيتوننا وارضنا ومع ذلك لم يكن لنا سند سوى قلة قليلة غيرت الكثير حتى ولو كانت كمية الادوات التي دعمتم بها الفلاح والمزارع قليلة لكنها كانت كبيرة بالفعل والانجاز وأثبتم من خلال مكتبكم في المحافظة انكم دائما في الميدان ومع ابناء شعبكم وامامهم كدرع وطني ونحن نرتدي درعكم بكل فخر.
قد يكون الموسم القادم هو موسم خير ومحرر من قيود المحتل ومستوطنيه أو قد يكون موسم أمني ودموي حافل بالتعقيدات خاصة أننا أمام إحتلال يحاول تهجيرنا وتطويعنا وترويضنا تجويعنا وسرقة قوتنا إلا أن في هذا الشعب نخبة ترفض الاستسلام وترفض أن تكون شاهدة زور ولا تكتفي بالتفرج وصك بيانات استنكارية وشجب وتقف أمام الكاميرات بدون فعل ، فكانوا على رأس هذه النخبة ونخبة تستحق التقدير والاحترام بجدارة و بفضل الله وفضل دعم جمعية اتحاد المزارعين صمدنا وما زلنا صامدين وسنصمد بهم ومعهم.
لقد كانوا فراسان بحق وخلقوا روحا وطنية ورفعتم من معنويات المزارعين بعدما تخلى البعض عنهم وبمساندتهم للمزارع صنعوا روح الواجب والشرف والانتماء فكان لزاماً علينا أن نكتب لكم وعنكم فكنتم بجدارة غصن زيتونٍ يعاند الموت.
بقلم: مُنال زيدان.صحفي واعلامي وناشط مجتمعي



