وقف المساعدات الغذائية لنصف مليون نازح في غزة.. أزمة تمويل تهدد الأمن الغذائي
بقلم: المحامي علي أبوحبلة
وقف المساعدات الغذائية لنصف مليون نازح في غزة.. أزمة تمويل تهدد الأمن الغذائي
بقلم: المحامي علي أبوحبلة
يشكل إعلان برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة وقف المساعدات الشهرية لنحو 500 ألف نازح في قطاع غزة، اعتباراً من تشرين الأول/أكتوبر 2026، بسبب نقص التمويل، مؤشراً خطيراً على اتساع الفجوة بين الاحتياجات الإنسانية المتفاقمة والموارد المتاحة للاستجابة لها، في وقت لا يزال فيه السكان يواجهون ظروفاً معيشية قاسية، جراء الحرب والنزوح وتدمير المنازل ومصادر الرزق.
وبحسب المعلومات المعلنة، سيؤدي القرار إلى خفض عدد الفلسطينيين المستفيدين من المساعدات الغذائية والنقدية التي يقدمها البرنامج إلى نحو 1.1 مليون شخص، أي ما يقارب نصف سكان القطاع. وأوضح المدير القطري للبرنامج في الأراضي الفلسطينية، شون هيوز، أن نقص التمويل فرض استبعاد نصف مليون شخص من قوائم المستفيدين، رغم استمرار الاحتياجات الإنسانية وعدم توافر الظروف التي تسمح بوقف المساعدات.
وتشير تقديرات إنسانية أوردتها تقارير سابقة إلى أن نحو 1.4 مليون شخص في غزة يعانون انعدام الأمن الغذائي الحاد، ويحتاجون إلى المساعدات لتأمين احتياجاتهم الأساسية. وتعكس هذه المؤشرات هشاشة الوضع الإنساني، خصوصاً في ظل فقدان أعداد كبيرة من الأسر مساكنها ومصادر دخلها، وتراجع قدرتها على تأمين الغذاء والدواء ومستلزمات الحياة اليومية.
أزمة إنسانية ومسؤولية دولية
لا يمكن التعامل مع وقف المساعدات باعتباره إجراءً مالياً أو إدارياً محدود الأثر؛ فالمساعدات الغذائية تمثل شريان حياة لشرائح واسعة من السكان، ولا سيما الأطفال والنساء وكبار السن والمرضى والأسر التي فقدت مصادر رزقها. ومن شأن تقليصها أن يزيد الضغوط المعيشية، ويوسع دائرة الفقر والجوع، ويضعف قدرة الأسر على مواجهة تداعيات الأزمة الممتدة.
ومن الناحية القانونية، يفرض القانون الدولي الإنساني التزامات واضحة بحماية المدنيين خلال النزاعات المسلحة، ويحظر تجويع المدنيين كأسلوب من أساليب الحرب، كما يلزم أطراف النزاع بالسماح بمرور الإغاثة الإنسانية وتيسيرها وفق القواعد والضوابط ذات الصلة. ولا يعفي نقص التمويل الجهات المعنية من التزاماتها القانونية، فيما تظل مسؤولية كل طرف مرتبطة بطبيعة واجباته والوقائع والأدلة المتصلة بسلوكه.
ويقتضي التقييم القانوني التمييز بين قرار برنامج الأغذية العالمي تقليص المساعدات لأسباب تمويلية، وبين مسؤوليات أطراف النزاع والجهات التي تتحكم في دخول الإمدادات الإنسانية وتوزيعها. فلكل مسألة أساسها القانوني وظروفها الواقعية، لكن النتيجة الإنسانية واحدة: اتساع دائرة الاحتياج وازدياد المخاطر التي تهدد حياة المدنيين وكرامتهم.
تمويل مستدام واستجابة عاجلة
سياسياً وإنسانياً، تكشف الأزمة عن ضرورة الانتقال من التعهدات الدولية إلى إجراءات عملية تضمن استمرارية التمويل، وتمنع إخضاع الاحتياجات الأساسية للمدنيين لتقلبات المساهمات المالية. ويتطلب ذلك تحركاً عاجلاً من الدول المانحة، وتوفير موارد إضافية لبرنامج الأغذية العالمي ووكالات الأمم المتحدة والمؤسسات الإنسانية العاملة في القطاع.
كما تبرز أهمية ضمان وصول المساعدات إلى مستحقيها بصورة آمنة ومنتظمة، وتعزيز التنسيق والرقابة والشفافية في توزيعها، وفق معايير الاحتياج الفعلي، مع إعطاء الأولوية للفئات الأكثر هشاشة.
إن وقف المساعدات عن نصف مليون نازح في غزة ليس مجرد رقم في حسابات التمويل، بل إنذار بتفاقم أزمة إنسانية تتطلب استجابة دولية تتناسب مع حجمها. فحماية المدنيين وتأمين الغذاء والدواء والمأوى مسؤولية إنسانية وقانونية، ولا يجوز أن تتحول معاناة السكان إلى رهينة لنقص الموارد أو غياب الإرادة السياسية.
المحامي علي أبوحبلة



