فيتنام: رحلة سفير إلى بلد التاريخ والمقاومة والأمل
السفير د. شادي ابوزرقة
فيتنام: رحلة سفير إلى بلد التاريخ والمقاومة والأمل
السفير د. شادي ابوزرقة
حين يلتقي القلب بالوطن قبل الجغرافيا
منذ اللحظة التي حُمّلتُ فيها أمانة تمثيل فلسطين سفيراً مفوضاً فوق العادة لدى فيتنام، اجتاحتني فرحة غامرة بهذا البلد الذي حفظنا تاريخ كفاحه كما نحفظ أناشيد الثورة في كتبنا المدرسية وفي جلساتنا الحركية. وكم كانت مفارقة مؤلمة أن يحول ضغط العمل دون زيارتي له رغم أنه كان يسكن قلبي منذ زمن بعيد. لكنني ما إن وطئت أرض هانوي حتى وجدت نفسي أتجول في أزقتها وشوارعها الساحرة، حيث يعانقك عبق التاريخ من كل زاوية، وتشمّ في أرجائها روح الحضارة والثقافة المتجذرة في عمق الزمن.
مدينة تأسر الروح من النظرة الأولى
رغم قصر المدة منذ وصولي، أحببت هذا البلد الجميل بثقافته وتاريخه المشرف ومستقبله الواعد. في هذه المدينة التاريخية، تلمس طيبة أهلها الذين رغم انشغالهم بمعركة الحياة اليومية، تشرق ابتساماتهم الصادقة على وجوه الأطفال والشباب والشيبان alike. إنه بلد يتسلل إلى قلبك دون استئذان، ويشدك إليه بقوة لا تقاوم.
تاريخ كفاح يستحق التأمل
هذا الحب هو ما دفعني إلى الغوص في تاريخ فيتنام منذ مملكة "داي فيت" في القرن العاشر حتى القرن التاسع عشر، تلك المملكة التي تأسست حول دلتا النهر الأحمر، وكيف كان الفلاحون البسطاء يدافعون عن أرضهم ببسالة نادرة. إنه بلد ضحى شعبه طوال عقود بالملايين دفاعاً عن حقه في أرضه وكرامته، وكيف استطاع رغم شح الإمكانيات العسكرية أن يهزم طاغية لم يتورع عن ارتكاب كل جرائم الحرب بحق القرى والمدن والشعب، دون تمييز بين طفل أو شيخ، أو مدرسة أو مستشفى أو جامعة.
من رماد المقاومة إلى نور المستقبل
بهذا الشعب الطيب، وقيادته الحكيمة، وإيمانه الراسخ بحقه في وطنه وأرضه وحريته، وصلت فيتنام إلى المستقبل المشرق الذي نراه اليوم. بلد تقوده حكمة متزنة وسياسة معتدلة، أساسها الحق والعدل واحترام قواعد القانون الدولي، ووقوفها الثابت إلى جانب الشعب الفلسطيني الذي يخوض اليوم التجربة ذاتها التي خاضها الرفاق الفيتناميون.
فيتنام وفلسطين: موقف محفور في الذاكرة
تعلمنا من فيتنام دروساً وعبراً لا تُحصى. فهذا البلد الصديق لشعب فلسطين كان أول من وقف إلى جانبه، وأول من دعم حركات التحرر من أفريقيا إلى الشرق. فيتنام هي أول دولة اعترفت بمنظمة التحرير الفلسطينية وفتحت مكتب تمثيل لها على أرضها. وحتى يومنا هذا، تقف فيتنام إلى جانب العدل والحق، وتؤمن بحقوق شعبنا غير القابلة للتصرف التي كفلتها المواثيق الدولية، وآخرها القرار الاستشاري لمحكمة العدل الدولية في يوليو 2024 الذي أكد أن وجود إسرائيل في الأراضي الفلسطينية المحتلة غير قانوني وأن الاستيطان غير شرعي.
شعب فلسطين: صامد وباقٍ
شعب فلسطين صامد وباقٍ على أرضه مهما بلغت قوة المحتل وإجرامه ضد أبنائه. لن يستطيعوا كسر عزيمته، فالاحتلال الإسرائيلي لأرض فلسطين منذ عام 1948 حتى اليوم لم يدخر وسيلة من جرائم الحرب، أو الأسلحة المحرمة دولياً، أو الجرائم ضد الإنسانية، أو التجويع، أو تدمير الممتلكات الثقافية والاجتماعية والدينية التي كفلت حمايتها كل المواثيق الدولية. الهدف كان تهجير شعبنا قسراً كما حدث عام 1948، لكنه فشل هذه المرة. فاستخدم العنف المفرط في الحرب لجعل فلسطين غير قابلة للحياة سعياً للتهجير القسري، لكنه فشل ليس فقط بسبب إرادة شعب فلسطين القوية، بل أيضاً بوقوف كل أحرار وشعوب العالم إلى جانبه.
دروس الماضي وحلم المستقبل
تعلمنا من أصدقائنا ومن أخطاء الماضي أن اللاجئين الفلسطينيين الذين هُجّروا عام 1948 فيما سُمي النكبة لا يزالون يحتفظون بتاريخهم ومفاتيح بيوتهم التي هُجّروا منها، رغم تدمير الاحتلال لبلداتهم وقراهم المحتلة. كما فشل الاحتلال في محو حب فلسطين من ذاكرة أبنائه الذين وُلدوا في الخارج، والذين ورثوا مفاتيح بيوت أجدادهم جيلاً بعد جيل.
ختاماً: فلسطين تحب الحياة
في الختام، أود أن أؤكد أن شعب فلسطين يحب الحياة مثل كل شعوب العالم، وأطفال فلسطين تواقون إلى بناء دولتهم الفلسطينية التي يحلمون بها ليل نهار. أيها الرفاق والأصدقاء، فلسطين وشعبها يشكرونكم ويشكرون شعوب العالم التي تقف دائماً إلى جانب حقوقنا المشروعة، ولن ينسى ذلك أبداً. وإن حلم الحرية بات قريباً، ليس بعيداً. وأتمنى لفيتنام البلد الصديق وشعبها وقيادتها مزيداً من التقدم والازدهار.
مقال سعادة السفير دكتور شادي ابو زرقة سفير دولة فلسطين لدى فيتنام ، (في الوكالة الصحفية لوزارة خارجية فيتنام)



