القنصلية البريطانية في القدس: حين يصبح المؤقت دائماً

د. دلال صائب عريقات

أكتوبر 11, 2026 - 10:27
القنصلية البريطانية في القدس: حين يصبح المؤقت دائماً

 د. دلال صائب عريقات

يوم جديد


ليس تغيير اسم القنصلية البريطانية العامة في القدس إلى "بعثة المملكة المتحدة في القدس" مجرد تعديل إداري. ففي مدينة تتعرض فيها الحقوق والوجود والمؤسسات لمحاولات متواصلة لإعادة تعريفها، تصبح التسميات والصلاحيات والصفة القانونية جزءاً من الصراع على مستقبلها. ومن هنا، يثير هذا التطور قلقاً يتجاوز العلاقة البريطانية الإسرائيلية، ليطول مستقبل الحضور الدبلوماسي الدولي الذي يخدم الفلسطينيين ويؤكد خصوصية القدس الشرقية بوصفها أرضاً محتلة.
من الإنصاف أن نُقدّر الجهود البريطانية للحفاظ على وجودها في القدس، وحماية موظفيها، واستمرار عملها مع الشعب الفلسطيني. كما لا يجوز افتراض أننا نعرف جميع تفاصيل المفاوضات؛ فقد تكون هناك تفاهمات غير معلنة، أو ضمانات، أو جدول زمني لاستعادة الصفة القنصلية. لكن وجود هذا الاحتمال لا يلغي السؤال الأساسي: ما الذي يضمن ألّا يتحول الترتيب الحالي إلى وضع دائم؟
لقد علّمتنا التجارب التاريخية مع الاسرائيليين أن كلمة "انتقالي" أو «مؤقت» لا تكفي لحماية الحقوق. فاتفاقات أوسلو صُممت لمرحلة انتقالية مدتها خمس سنوات، لكن المرحلة الانتقالية امتدت لعقود، بينما استمر الاستيطان وتعمّقت السيطرة الإسرائيلية. والعبرة هنا إدراك أن الترتيبات المؤقتة، حين تفتقر إلى ضمانات وآليات تنفيذ ومواعيد واضحة، قد تتحول إلى أدوات لإدارة وفرض الواقع.
الحضور القنصلي البريطاني في القدس يسبق قيام دولة إسرائيل. وهذه الحقيقة لا تمنحه وحدها حصانة من كل تغيير، لكنها تؤكد أن وجوده ليس امتداداً للعلاقات الثنائية البريطانية الإسرائيلية، ولا يمكن اختزال مهمته في إطار التمثيل لدى إسرائيل.
الأهم قانونيّاً أن القدس الشرقية أرض محتلة، وهو موقف تتمسك به المملكة المتحدة نفسها. وقد أكدت الحكومة البريطانية أنها لا تقبل بوجود حق قانوني لإسرائيل في إغلاق القنصلية. لذلك، ينبغي أن يحافظ أي تفاهم عملي على هذا الموقف، وألّا يتحول التعامل مع السيطرة الإسرائيلية الفعلية إلى إقرار بسلطة سيادية إسرائيلية على المدينة.
فالفارق كبير بين التفاوض لضمان سلامة الموظفين واستمرار عملهم، وبين السماح بأن تصبح الصفة القانونية للبعثة وحجمها ووظيفتها خاضعة لإرادة الاحتلال. المطلوب أن تبقى الترتيبات العملية منسجمة مع الموقف القانوني المعلن، وألّا تقوّضه تدريجياً.
المعاملة بالمثل: خيار دبلوماسي وقانوني يحتاج إلى إرادة سياسية. هنا يبرز السؤال عن أدوات بريطانيا الدبلوماسية والقانونية. فالمادة 47، الفقرة 2 (أ) من اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية لعام 1961، والمادة 72، الفقرة 2 (أ) من اتفاقية فيينا للعلاقات القنصلية لعام 1963، تتناولان هذا التطبيق الذي لا يُعدّ تمييزاً عندما يأتي استجابة لتطبيق تقييدي مماثل تجاه بعثة الدولة المعنية أو مراكزها القنصلية. هذه الأحكام لا تفرض رداً تلقائياً، لكنها تؤكد أن المعاملة بالمثل ليست فكرة خارجة عن النظام الدبلوماسي، بل أداةٌ معترفٌ بها ضمن نطاق محدد. وقد أعلنت بريطانيا أنها لن تتخذ إجراءات بالمثل ما دامت المحادثات جارية وذات مصداقية. هذا خيار سياسي يمكن تفهّمه، لكن مصداقية المحادثات يجب أن تُقاس بنتائجها: هل تقود إلى استعادة الصفة القنصلية والموظفين والصلاحيات، أم تكتفي بتثبيت وجود محدود تحت مسمّى جديد؟
هذه سياسة تتجاوز بريطانيا. القلق الأكبر هو السابقة التي قد ينشئها هذا الترتيب لبقية القنصليات في القدس. فإذا أمكن فرض تخفيض صفة بعثة تاريخية بسبب موقف دولتها من الاستيطان، فقد يشجع ذلك على ممارسة ضغوط مشابهة على بعثات أخرى، وهذا ما شهدناه فعلاً بالتعامل الدبلوماسي مع القنصلية الأمريكية بالقدس، ثم مكتب تمثيل سويسرا، ثم أستراليا، ثم هولندا حديثاً.
هذه الممثليات والقنصليات تؤدي دوراً يتجاوز الخدمات الإدارية؛ فهي ترتبط بمفهوم التمثيل والاعتراف وتتابع الواقع تحت الاحتلال، وتدعم المؤسسات، وتحافظ على حضور دولي مستقل في المدينة. وإضعافها يضيّق المجال الدبلوماسي الفلسطيني، ويزيد قدرة إسرائيل على التحكم وفرض السيادة على القدس. حماية الوجود مصلحة جماعية تستدعي تنسيقاً بين الدول المعنية، حتى لا تواجه كل بعثة الضغوط منفردة.
نحن لا نطالب بريطانيا بكشف أسرار مفاوضاتها، بل بتوضيح الضمانات التي تحمي النتيجة: جدول زمني موثوق، واستعادة كاملة للصفة القنصلية والوظائف والكوادر، وتأكيد أن الترتيب الحالي لا يمس الوضع القانوني للقدس الشرقية ولا ينشئ سابقة لبقية البعثات. الدبلوماسية تحتاج إلى المرونة، لكنها تحتاج أيضاً إلى حدود واضحة تمنع تحول التسوية المؤقتة إلى تنازل دائم. فبقاء المبنى مفتوحاً خطوة مهمة، لكن المعيار الحقيقي هو بقاء المكانة القانونية والقدرة على العمل، ثم استعادتهما كاملتين.