من مرسوم انتخابات 2021 إلى تأجيل 2026: أزمة الشرعية الفلسطينية ومخاطر الانفصال بين السلطة والشعب

المحامي علي أبو حبلة

أكتوبر 10, 2026 - 18:26
من مرسوم انتخابات 2021 إلى تأجيل 2026: أزمة الشرعية الفلسطينية ومخاطر الانفصال بين السلطة والشعب

من مرسوم انتخابات 2021 إلى تأجيل 2026: أزمة الشرعية الفلسطينية ومخاطر الانفصال بين السلطة والشعب
المحامي علي أبو حبلة
باحث في القانون الدولي ومحلل سياسي
لا يمكن قراءة قرار تأجيل الانتخابات التشريعية الفلسطينية المقررة في 28 تشرين الثاني 2026 بمعزل عن تجربة عام 2021، حين صدر المرسوم الرئاسي رقم (3) بتاريخ 15 كانون الثاني للدعوة إلى الانتخابات التشريعية والرئاسية وانتخابات المجلس الوطني، قبل أن يصدر المرسوم رقم (12) بتاريخ 30 نيسان، مؤجلاً الانتخابات إلى حين توافر شروط إجرائها في الأراضي الفلسطينية كافة، وفي مقدمتها القدس الشرقية.
وبعد أكثر من خمس سنوات، يتكرر مشهد التأجيل، بما يثير تساؤلات تتجاوز موعد الاقتراع إلى مستقبل الشرعية الشعبية، وطبيعة النظام السياسي، وحدود العلاقة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، وقدرة المؤسسات الفلسطينية على مواجهة التحولات المتسارعة التي تشهدها الأرض الفلسطينية.
فبعد تحديد 28 تشرين الثاني 2026 موعداً للانتخابات التشريعية، أُعلن في 10 تشرين الأول تأجيلها إلى 11 أيلول 2027، بالتزامن مع الانتخابات الرئاسية. ويعيد هذا القرار النقاش حول الأسباب التي حالت دون إجراء الانتخابات سابقاً، ومدى معالجة جذورها، والضمانات التي تحول دون تكرار التأجيل.
تكرار التأجيل وأزمة الثقة
استند قرار التأجيل عام 2021 إلى تعذر إجراء الانتخابات في القدس الشرقية وفق الموقف الفلسطيني المعلن، بينما ارتبطت مبررات التأجيل الراهن بالقيود الإسرائيلية والظروف الأمنية والميدانية، وصعوبة تهيئة بيئة انتخابية شاملة، ولا سيما في قطاع غزة والقدس الشرقية.
ولا يمكن التقليل من خطورة هذه العقبات أو تجاهل مسؤولية الاحتلال عن القيود المفروضة على الفلسطينيين. لكن تكرار التأجيل يطرح سؤالاً مشروعاً: ماذا أُنجز خلال السنوات الماضية لمعالجة أسباب التعطيل، ووضع خطة وطنية تضمن إجراء الانتخابات في موعد محدد، وتحدد البدائل القانونية والسياسية إذا استمرت العراقيل الإسرائيلية؟
إن خطورة المسألة لا تكمن في تعديل موعد الاقتراع وحده، بل في احتمال تحول التأجيل إلى نمط دائم لإدارة الحياة السياسية، بما يضعف ثقة المواطنين بقدرة المؤسسات على تجديد شرعيتها، ويجعل الاستحقاق الديمقراطي رهناً بظروف لا يملك الفلسطينيون السيطرة الكاملة عليها، من دون استراتيجية كافية للتعامل مع تداعياتها.
الشرعية الشعبية وحدود السلطة التنفيذية
تستند الشرعية السياسية إلى الإرادة الشعبية، ودورية الانتخابات، واحترام القانون، والمساءلة، والتداول السلمي للسلطة. واستمرار غياب الانتخابات التشريعية منذ عام 2006، والانتخابات الرئاسية منذ عام 2005، يثير إشكالية جدية بشأن تجديد التفويض الشعبي وفاعلية المؤسسات التمثيلية.
ومن الناحية الدستورية، ينبغي التمييز بين صلاحية إصدار مرسوم بالدعوة إلى الانتخابات وبين السند القانوني الذي يجيز تأجيل استحقاق سبق تحديد موعده. فصدور المرسوم لا يعفي من ضرورة احترام القانون الأساسي وقانون الانتخابات، وبيان الأسباب القانونية والواقعية للقرار وآثاره على الحقوق الانتخابية والمراكز القانونية التي نشأت خلال العملية الانتخابية.
كما أن استمرار غياب المجلس التشريعي المنتخب يضعف الرقابة البرلمانية المنتظمة على السلطة التنفيذية، ويحد من التوازن بين السلطات. ومع اتساع الاعتماد على القرارات التنفيذية في إدارة الشأن العام، تتزايد أهمية وجود قضاء مستقل، وآليات رقابة ومساءلة فاعلة، وضمانات تمنع تحول الإجراءات الاستثنائية إلى واقع دائم.
ولا يعني ذلك أن كل قرار تنفيذي يفتقر تلقائياً إلى المشروعية، بل إن مشروعيته تتوقف على سنده القانوني وإجراءاته ومدى توافقه مع القواعد الدستورية النافذة.
السلطة في وادٍ والشعب في وادٍ آخر
تتزامن أزمة التمثيل السياسي مع تدهور اقتصادي واجتماعي متزايد الخطورة، في ظل القيود المفروضة على الحركة والتجارة، وتراجع فرص العمل، وتضرر المنشآت الاقتصادية، والاقتطاعات المالية، وتداعيات الحرب والدمار في قطاع غزة، والضغوط المعيشية المتصاعدة في الضفة الغربية.
وفي ظل هذه الظروف، لا ينظر المواطن إلى الانتخابات باعتبارها إجراءً سياسياً منفصلاً عن حياته اليومية، بل باعتبارها وسيلة للمحاسبة والتغيير وتجديد السياسات العامة. وعندما تتزايد الأعباء المعيشية وتتراجع فرص المشاركة في صنع القرار، من دون أفق واضح للتغيير، تتسع الفجوة بين المجتمع ومؤسساته.
وتبرز هنا مخاوف من اتساع المسافة بين السلطة والمواطن، بحيث لا تعكس الأولويات الرسمية بصورة كافية الاحتياجات الاقتصادية والاجتماعية الملحة. وتتطلب معالجة هذا الخلل إصلاحاً مؤسسياً، وشفافية في إدارة المال العام، ومساءلة عن الأداء، وسياسات اقتصادية تستجيب لمعاناة المواطنين وتحمي الفئات الأكثر تضرراً.
إن استمرار الجمود السياسي بالتزامن مع الأزمة الاقتصادية قد يضعف المشاركة العامة، ويزيد العزوف عن المؤسسات، ويعمق الانقسام الداخلي، بما ينعكس على قدرة المجتمع الفلسطيني على مواجهة التحديات الوطنية.
التغيرات الجغرافية والديموغرافية ومخاطر فرض الأمر الواقع
تتجاوز تداعيات الأزمة حدود المؤسسات، في وقت تتواصل فيه عمليات التوسع الاستيطاني ومصادرة الأراضي والتهجير وتقييد حركة الفلسطينيين، وتتزايد المخاوف من تكريس وقائع جغرافية وديموغرافية جديدة في الضفة الغربية والقدس الشرقية.
وفي قطاع غزة، أدى الدمار الواسع والنزوح وتراجع مقومات الحياة إلى تعقيد إعادة الإعمار واستعادة المؤسسات والخدمات الأساسية. وتتقاطع هذه التطورات مع مخاطر تعميق الفصل الجغرافي والسياسي بين غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية، بما يهدد وحدة الأرض الفلسطينية ووحدة التمثيل الوطني.
إن الجمود السياسي الفلسطيني لا ينشئ بمفرده الوقائع التي يفرضها الاحتلال، لكنه قد يحد من القدرة على مواجهتها ضمن استراتيجية وطنية موحدة. فضعف المشاركة الشعبية وغياب المساءلة المنتظمة يصعّبان بناء موقف وطني متماسك يوظف الأدوات الدبلوماسية والقانونية والسياسية للدفاع عن الحقوق الفلسطينية.
وتزداد هذه المخاطر في ظل القيود المفروضة على السلطة الفلسطينية، ومحدودية قدرتها على ممارسة صلاحياتها الإدارية والاقتصادية والأمنية، وعدم امتلاكها السيطرة السيادية الكاملة على الأرض والمعابر والموارد. ومن هنا، يصبح تجديد الشرعية وإصلاح المؤسسات ضرورة وطنية ترتبط بحماية المشروع الفلسطيني، وليس مجرد استحقاق إداري داخلي.
استعادة الثقة تبدأ بالإصلاح
إن الخروج من دائرة التأجيل يتطلب نشر الأساس القانوني الكامل للقرار وتوضيح آثاره، والالتزام بموعد انتخابي محدد بضمانات مؤسسية، وتمكين لجنة الانتخابات المركزية من أداء مهامها باستقلالية، ووضع خطة عملية لمعالجة القيود الإسرائيلية بمشاركة دولية فاعلة.
كما يتطلب إطلاق حوار وطني شامل يعالج الانقسام ويعزز الشراكة والتعددية، من دون أن يصبح التوافق السياسي بديلاً دائماً عن الانتخابات. ولا بد من إعادة بناء المؤسسات الدستورية، واستعادة الرقابة التشريعية، وتعزيز استقلال القضاء والحريات العامة، وربط الإصلاح السياسي ببرنامج اقتصادي واجتماعي واقعي يعزز الشفافية والثقة العامة.
خاتمة: أزمة تتجاوز موعد الانتخابات
إن تكرار التأجيل بين عامي 2021 و2026 يضع النظام السياسي الفلسطيني أمام اختبار يتعلق بمستقبل الشرعية الشعبية وفاعلية المؤسسات، في مرحلة تتسارع فيها التحولات الجغرافية والديموغرافية وتتفاقم الضغوط الاقتصادية والسياسية.
ولا يمكن الجزم بأن التأجيل وحده سيقود إلى نتائج كارثية، لكن استمرار الجمود من دون إصلاح وضمانات وجدول زمني واضح يحمل مخاطر جدية على الثقة العامة والتماسك المجتمعي والقدرة على مواجهة مشروعات فرض الأمر الواقع وتكريس الفصل بين غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية.
إن القضية الفلسطينية تحتاج إلى أكثر من إدارة الأزمات؛ تحتاج إلى إعادة بناء النظام السياسي على قاعدة الشراكة الوطنية وسيادة القانون والتداول الديمقراطي للسلطة. فمواجهة الاحتلال لا تنفصل عن ضرورة تجديد الشرعية، كما أن الضرورات الوطنية لا ينبغي أن تتحول إلى مبرر لتعطيل الحقوق السياسية أو إضعاف المساءلة.
الشرعية الشعبية ليست تفويضاً مفتوحاً، والوحدة الوطنية ليست بديلاً عن الديمقراطية، والمراسيم لا تغني عن المؤسسات المنتخبة. والمطلوب مسار وطني يعيد الاعتبار لإرادة الشعب، ويوحد القرار الفلسطيني، ويحمي وحدة الأرض والقضية، ويعيد بناء الثقة بين السلطة والمجتمع. فكل تأخير في الإصلاح وتجديد الشرعية يرفع كلفة الأزمة، في وقت يحتاج فيه الفلسطينيون إلى مؤسسات تستند إلى تفويض شعبي، وتخضع للمساءلة، وتملك رؤية وطنية قادرة على الدفاع عن الحقوق السياسية والاقتصادية والوطنية.